ابن هشام الحميري

1073

السيرة النبوية

بلغني أن فلانا قال : والله لو قد مات عمر بن الخطاب لقد بايعت فلانا ، فلا يغرن امرأ أن يقول : إن بيعة أبى بكر كانت فلتة فتمت ، وإنها قد كانت كذلك إلا أن الله قد وقى شرها ، وليس فيكم من تنقطع الأعناق إليه مثل أبى بكر ، فمن بايع رجلا عن غير مشورة من المسلمين ، فإنه لا بيعة له هو ولا الذي بايعه تغرة أن يقتلا . إنه كان من خبرنا حين توفى الله نبيه صلى الله عليه وسلم ، أن الأنصار خالفونا ، فاجتمعوا بأشرافهم في سقيفة بنى ساعدة ، وتخلف عنا علي بن أبي طالب والزبير بن العوام ومن معهما ، واجتمع المهاجرون إلى أبى بكر ، فقلت لأبي بكر : انطلق بنا إلى إخواننا هؤلاء من الأنصار ، فانطلقنا نؤمهم حتى لقينا منهم رجلان صالحان ، فذكرا لنا ما تمالا عليه القوم ، وقالا : أين تريدون يا معشر المهاجرين ؟ قلنا : نريد إخواننا هؤلاء من الأنصار ، قالا : فلا عليكم أن لا تقربوهم يا معشر المهاجرين ، اقضوا أمركم ، قال : قلت : والله لنأتينهم ، فانطلقنا حتى أتيناهم في سقيفة بنى ساعدة ، فإذا بين ظهرانيهم رجل مزمل ، فقلت : من هذا ؟ فقالوا سعد بن عبادة ، فقلت : ماله ؟ فقالوا : وجع ، فلما جلسنا تشهد خطيبهم ، فأثنى على الله بما هو له أهل ، ثم قال : أما بعد ، فنحن أنصار الله وكتيبة الاسلام ، وأنتم يا معشر المهاجرين رهط منا ، وقد دفت دافة من قومكم ، وإذا هم يريدون أن يحتازونا من أصلنا ، ويغصبونا الامر ، فلما سكت أردت أن أتكلم ، وقد زورت في نفسي مقالة قد أعجبتني ، أريد أن أقدمها بين يدي أبى بكر ، وكنت أداري منه بعض الحد ، فقال أبو بكر : على رسلك يا عمر ، فكرهت أن أغضبه فتكلم ، وهو كان أعلم منى وأوقر ، فوالله ما ترك من كلمة أعجبتني من تزويري إلا قالها في بديهته ، أو مثلها أو أفضل ، حتى سكت ، قال : أما ما ذكرتم فيكم من خير ، فأنتم له أهل ، ولن تعرف العرب هذا الامر إلا لهذا الحي من قريش هم أوسط العرب نسبا ودارا ، وقد رضيت لكم أحد هذين الرجلين ، فبايعوا أيهما شئتم ، وأخذ بيدي وبيد أبى عبيدة بن الجراح ، وهو جالس بيننا ، ولم