القاضي سعيد القمي

79

اسرار العبادات و حقيقة الصلوة ( فارسى )

فصل ولبعض العرفاء في تفسير هذه السورة المباركة طريقة لطيفة لا تخلو عن

--> قال ومع هؤلاء سبعون ألفا يدخلون الجنة بغير حساب قيل من هم يا رسول اللّه فقال ص الذين لا يكفرون ولا يتطيرون ولا يسترقون وعلى ربهم يتوكلون وقول الخليل لجبرئيل لما قال له وقد خلى من كفة المنجنيق إلى النار ألك حاجة قال بلى اما إليك فلا من أعظم درجات التوكل والتوكيل في الغائب يظهر بضرب المثال في الشاهد فنقول من ادعى عليه دعوى باطله فوكل للخصومة من يكشف ذلك عنه لم يكن واثقا بوكيل الا إذا اعتقد فيه أمورا أربعة منتهى الهداية والعلم ليعرف مقام التلبيس وغوامض الحيل ومنتهى القوة ليستجرى على التصريح بالحق حتى لا يداهن ولا يخاف ومنتهى الفصاحة ليقدر على التعبير عما في ضميره ومنتهى الشفقة لأجل ان يبذل مجهوده فإن كان شاكا في هذه الأربعة أو أحدها لم تطمئن النفس إلى ذلك الوكيل وقس على هذا التوكل على اللّه وان فيه منتهى القوى الأربعة وهذه الحالة لها في القوة والضعف ثلاث درجات الأولى ما تقدم وهو ان يكون حاله في حق اللّه والثقة بكفالته كحاله في الثقة لكفالة الوكيل الثانية وهي أقوى ان يكون حاله مع اللّه كحال الطفل مع أمه فإنه لا يعرف غيرها ولا يفزع الا إليها فإنه ان نابه امر في غيبتها كان أول سابق إلى لسانه يا أماه والمتوكل على اللّه بهذا التوكل صادق في توكله مطبوع عليه الثالثة وهي أعلاها ان يكون بين يدي اللّه في حركاته وسكناته مثل الميت بين يدي الغاسل لا يفارقه الا في ان يرى نفسه ميتا بحركة القوة الأزلية كما تحرك يد الغاسل الميت وهذا يفارق الصبى فان الصبى يفزع إلى أمه ويتعلق بذيلها ويصيح بل مثال هذا مثال صبي علم أنه وان لم يزعق بأمه فالأم تطلبه وان لم يتعلق بذيلها فهي تحمله وتغذيه اللبن من غير طلب وهذا المقام يثمر ترك الدعاء وكف السؤال ولهذا لما قال له جبرئيل ادع ربك حتى ينجيك من النار قال يكفيه علمه بحالي عن سؤالي والمقام الثاني لا يقتضى ترك الدعاء منه وانما يقتضيه عن غيره وإذا تحققت هذا فاعلم أن المقام الثالث ينفى كل تدبير والمقام الثاني يبقى معه تدبير ما والأول يبقى معه جميع التدبيرات فيظهر لك من هذا انه ليس من شرط التوكل ترك كل تدبير وعمل وان كل تدبير وعمل لا يجوز مع التوكل بل هو الانقسام كما سيأتي تفصيله ولا تظن ان معنى التوكل ترك الكسب باليد كما ظنه الجهال من الصوفية بل التوكل ظاهر الأثر في سعى العبد إلى مقاصده وسعى العبد باختياره اما ان يكون لأجل جلب نافع هو مفقود عنده كالكسب أو لحفظ نافع هو موجود عنده