يحيى السهروردي ( شيخ اشراق )

5

مجموعه مصنفات شيخ اشراق

وامّا علم الفقه فانّه علم سياسة المدن ، فلكلّيّته لا يندرس وانّما يندرس بعض الفروع وتتبدّل الاحكام وتتغيّر وتنتقل من أمّة إلى امّة ، وكذا حكم أصول الفقه وان كان في هذا سرّ سنشير اليه في ما بعد ، ان شاء اللّه تعالى . وإذا علمت هذا ، فاعلم انّ الكمال الحقيقىّ انّما يحصل بالعلم الحقيقىّ الثابت بحسب ثبات معلومه ، ليكون المعلوم له مشاهدا لنفسه بعد المفارقة . وامّا ما لا ثبات له فلا يحصل مشاهدته بعد المفارقة ، فلا يحصل به كمال حقيقىّ وان كان قد يجوز ان يحصل به كمال وهمىّ . وإذا تلخّص لنا انّ السعادة منوطة بالعلوم الحقيقيّة دون غيرها ، فنقول انّ العلوم الحقيقيّة تنقسم إلى قسمين : ذوقية كشفيّة وبحثيّة نظريّة . فالقسم الاوّل يعنى به معاينة المعاني والمجرّدات مكافحة لا بفكر ونظم دليل قياسىّ أو نصب تعريف حدّىّ أو رسمىّ ، بل بأنوار اشراقيّة متتالية متفاوتة بسلب النفس عن البدن وتتبيّن معلّقة تشاهد تجرّدها وتشاهد ما فوقها مع العناية الالهيّة . وهذه الحكمة الذوقيّة قلّ من يصل إليها من الحكماء ولا يحصل الّا للافراد من الحكماء المتألّهين الفاضلين . وهؤلاء منهم قدماء سبقوا أرسطو زمانا كاغاثاذيمون وهرمس وانباذقلس وفيثاغورس وسقراط وأفلاطون وغيرهم من الأفاضل الأقدمين الذين شهدت الأمم المختلفة بفضلهم وتقدّمهم . وهؤلاء وان كان أكثر وكدهم الأمور الذوقيّة ، فلم يكونوا خالين عن البحث ، بل لهم بحوث وتحريرات وإشارات منها تقوّى امام البحث أرسطاطاليس على التهذيب والتفصيل . ولهذا قال المعلّم الاوّل « انّ الاوّلين الذين تفلسفوا فلسفة الحقّ وان أخطئوا في بعض الأمور الطبيعيّة ، فقد أحسنوا في حلّ الأمور الالهيّة . » ومنهم متأخّرون تأخّروا عنه لكن هؤلاء كانت حكمتهم الذوقيّة ضعيفة جدّا ، لان أرسطاطاليس شغلهم بالبحث والبسط