حيدر حب الله

80

نظرية السنة في الفكر الإمامي الشيعي

ويحاول المرتضى - انسياقا مع الجوّ الكلامي والأصولي العام آنذاك - أن يؤكّد ظنية خبر الواحد ، فيصرّ على أنه لا يوجب علما خلافا للنظّام ، وإنما غلبة الظن بالصدق إذا كان المخبر عدلا ، معرّضا - كما ذكرنا - بمن سمّى التصديق الناتج عن الخبر بالعلم الظاهر ، بأن هذا مجرّد خلاف في عبارة ، إذ سمّى غالب الظن علما « 1 » . لكن ، ورغم أخذه بالخبر المتواتر المفيد للعلم بشروط منها الكثرة ، وعدم التواطؤ على الكذب ، وعدم الشبهة كما قلناه « 2 » ، إلا أنه ينفي ورود العبادة بالخبر الواحد - مع إمكانها - حتى لو كان الراوي في غاية العدالة على حدّ تعبيره « 3 » ، قائلا : « الصحيح أن العبادة ما وردت بذلك ( التعبّد بخبر الواحد ) . . . والذي يدل على صحّة ما ذهبنا إليه ، أنه لا خلاف بيننا وبين محصّلي ( محققي ) مخالفينا في هذه المسألة أن العبادة بقبول خبر الواحد والعمل به طريقة الشرع ( الشريعة ) والمصالح ، فجرى مجرى سائر ( كسائر ) العبادات الشرعية في اتباع المصلحة ، وأن العقل غير دالّ عليه ، وإذا فقدنا في أدلّة الشرع ما يدل على وجوب العمل به ( بما ) ، علمنا انتفاء العبادة به ، . . . ويمكن أن يستدل بمعنى هذه الطريقة بعبارة أخرى ، وهو أن نقول ( يقول ) : العمل بالخبر لا بدّ من أن يكون تابعا للعلم ، فإما أن يكون تابعا للعلم بصدق الخبر ، أو العلم ( للعلم ) بوجوب العمل به مع تجويز الكذب ، وقد علمنا أن خبر الواحد لا يحصل عنده علم بصدقه لا محالة ، فلم يبق إلا أن يكون العمل به تابعا للعلم بالعبادة بوجوب العمل به ، وإذا لم نجد دليلا على وجوب العمل به نفيناه » « 4 » . وبعد تأسيسه هذا الأصل ، الذي تواضع علماء الأصول فيما بعد على التعبير عنه بقولهم : « الأصل عند الشك في الحجية هو عدم الحجية » ، يشرع المرتضى باستعراض أدلّة القائلين بحجية الخبر ، فيأتي على ذكر آية النفر ، والكتمان ، والنبأ ، وما دلّ على الإبلاغ ، وإجماع الصحابة ، ورسل النبي صلى اللّه عليه وآله وسلّم وعمّاله ، والقياس بقول المفتي ، وحكم الضرورة ،

--> ( 1 ) - المصدر نفسه : 34 و 41 - 42 و 238 و 241 وج 1 : 69 و 186 و 243 - 244 ؛ ورسائل الشريف المرتضى 1 : 46 - 52 و 53 - 56 ؛ بل يرى السيد في رسائله 3 : 125 أن الصدق في أخبار الآحاد أقلّ كثيرا من الكذب . ( 2 ) - المصدر نفسه : 22 - 23 . ( 3 ) - رسائل الشريف المرتضى 3 : 269 - 270 ، ولاحظ نفيه التعبد في ج 1 : 203 ، وج 3 : 309 ؛ وهو ظاهر كلامه في ج 2 : 47 و 351 في جوابات المسائل الرسية الأولى ؛ وقال : إن أخبار الآحاد لا يعمل عليها في الشريعة كما في الانتصار : 120 و 182 و 305 و 344 و 414 و 424 و 427 و 435 ، وظاهر 529 ؛ وصرّح بأنه حتى لو كان الآحاد عدولا ص 376 ؛ وأنها لا توجب العلم والعمل ص 235 و 311 ، حتى لو كانت قويّة ص 138 . ( 4 ) - المرتضى ، الذريعة 2 : 52 - 55 .