حيدر حب الله

79

نظرية السنة في الفكر الإمامي الشيعي

وبعد انتهائه من دراسة مباحث الأخبار العلمية التي علم صدقها أو كذبها ، يبدأ المرتضى دراسة مباحث الخبر غير العلمي ، فيطرح احتمال وجود أخبار كاذبة عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلّم ويرى أنّه « إنما يعلم كذب بعض الأخبار المرويّة عنه صلى اللّه عليه وآله وسلّم على سبيل الوصف دون التعيين ، فنقول : كل خبر دلّ ظاهره على إجبار أو تشبيه أو ما جرى مجرى ذلك ، ممّا علمنا استحالته ، من غير قرينة ، ولا على وجه الحكاية ، وكان احتماله للصواب بعيدا متعسّفا ، وجب الحكم ببطلانه ، لأنّ الحكمة والدين يمنعان من الخطاب بما يحتاج إلى تعسّف وتكلّف شديد حتى يحتمل الصواب . . . » « 1 » . وهذا النص الذي يؤسّس فيه المرتضى مبدأ احتمال الكذب فيما جاءنا عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلّم ، يكشف عن صدارة معايير نقد المتن في تلك المرحلة أكثر من نقد السند ، كما سنؤكّده لاحقا إن شاء اللّه تعالى ، ويدلّل على أنّ مفتاح المرتضى لنظرية خبر الواحد هو مبدأ احتمال الكذب هذا . ومن هنا ، تبدأ نظرية خبر الواحد بالدرس في المنهاج الذي وضعه المرتضى ، فبعد تأسيس مبدأ احتمال الكذب في السنّة النبويّة ، يساهم المرتضى في تأسيس مبدأ عدم علميّة خبر الواحد « وإنما يقتضي غلبة الظن بصدقه إذا كان عدلا » « 2 » . ويناقش المرتضى في إفادة خبر الواحد العلم ، ويرى أنّ من قال : إنه يفيد العلم الظاهر ، إنما خالف في التسميات ، فإنّ العلم الظاهر هو غلبة الظن لا غير « 3 » . نظرية المرتضى في أخبار الآحاد يقرّ السيد المرتضى - بداية - بإمكان التعبّد بخبر الواحد عقلا ولا يرى ذلك أمرا مستحيلا « 4 » ، خلافا لجماعة كابن قبة والجبّائي ممن أثاروا إشكاليات على مبدأ التعبد بالظن عموما كما سيأتي التعرّض له في الفصل الخامس إن شاء اللّه تعالى ، ويتخطّى المرتضى هذا الحاجز العقلي ، ليثبت حتى وجوب العمل بالخبر الذي لا يعلم أن مخبره على ما تناوله المخبر ، على حد تعبيره ، الأمر الذي يشمل أخبار الآحاد الظنية عموما ، هذا الوجوب تارة يكون عنده ( المرتضى ) عقليا ، كالخبر الذي يتعلّق بالمضار والمنافع ، وأخرى شرعيا كما في موارد الشهادات بلا خلاف أو الخبر الواحد على خلاف « 5 » .

--> ( 1 ) - المصدر نفسه : 39 - 40 . ( 2 ) - المصدر نفسه : 41 . ( 3 ) - المصدر نفسه : 41 - 43 . ( 4 ) - المرتضى ، الذريعة إلى أصول الشريعة 2 : 43 ، 52 - 53 ، 181 ؛ وانظر رسائل الشريف المرتضى 1 : 202 وج 2 : 30 . ( 5 ) - المصدر نفسه : 7 .