حيدر حب الله
770
نظرية السنة في الفكر الإمامي الشيعي
لكن الاتجاه العقلاني الجديد أسّس مقولة في غاية الأهمية ، استعاض بها عن ركام البناءات المنهارة مثل الإجماع المنقول وغيره ، فظهرت نظرية السيرة العقلائية والمتشرعية ، لتتحول - في فترة وجيزة جدا - إلى أهم دليل تشاد عليه نظرية السنّة الشيعية على الإطلاق ، مع الأخذ بعين الاعتبار دليلا جديدا حديث التأسيس عرفه المشهد ، وهو ظاهرة الاستدلال بالسنّة على السنّة ، وإن لم يحظ بما حظيت به السيرة ، رغم بعض الانتقادات القليلة التي تعرّضت لها . كان هذا هو إطار نظرية السنّة في العصر الحديث ، أما مضمونها فتمثل في فوضى التصريحات التي دارت بين الوثوق والوثاقة ، وإن شاهدنا - وفق ما تقدّم من دراسة - أن السائد على المشهد كان نظريّة الوثوق ، وعدم الجمود على السند وحده معيارا ، دون ملامسة المنحى الأخباري ، ولهذا شاهدنا سيطرة شديدة لمقولتي الجبر والوهن السنديين ، وعند بعضهم : الدلاليين ، نظرا للعلاقة التاريخية الشديدة بينهما وبين مقولة الوثوق . أما على الصعيد الدرائي والرجالي فلم تحدث تطوّرات باستثناء تجارب أربع : 1 - تجربة محمد باقر الصدر التي شاد فيها نظرية التواتر على أساس العلوم الرياضية الجديدة وحساب الاحتمال . 2 - تجربة نظرية التعارض التي تطوّرت بشكل مذهل في هذه الحقبة ، لتحلّ أزمة تضارب الأحاديث واختلافها ، وهي نظرية شاهدنا أطروحات جديدة فيها في الفترة المتأخرة ، سيما موضوع العلاقة بين القرآن والحديث . 3 - التجربة الرجالية لمدرسة السيد أبي القاسم الخوئي ، التي بدت في غاية التشدّد - نسبيا - لصالح السند والاهتمام برجاله بما يزيد عن تجربة العلامة الحلي . 3 - تجربة البروجردي في الحديث والرجال ، والتي لاحظنا اجتهاديّتها ، وملامستها لتحليل الظواهر الحديثية والرجالية نفسها ، بدل الاتكال على المقولات القديمة فقط « 1 » . لكن المشهد المدرسي هذا ، سارت إلى جانبه ظاهرة نقد عنيفة للحديث والسنّة ، بيد أنها كانت - حتى الآن - عاجزة عن التحوّل إلى تيار عتيد وكبير ، من هنا لاحظنا وجود تيارات متفرقة محدودة في الحياة الشيعية ، ساهمت في نقد مقولة السنة المحكية فقط لا الواقعية ، وهذه التيارات هي - كما تقدّم - : 1 - التيار المدرسي النقدي الذي أدخل بحث « الموضوعات » إلى الحياة الشيعية ، بعد غياب طويل . 2 - التيار الساعي لتهذيب الحديث انطلاقا من حاجات مذهبية شيعية وغيرها ، وقد سعى هذا التيار لتصفية مصادر الحديث الشيعي وتنقيتها .
--> ( 1 ) - راجع الفصل الخامس من هذا الكتاب .