حيدر حب الله

769

نظرية السنة في الفكر الإمامي الشيعي

وتشابكت العناصر التي فجرّت القنبلة الأخبارية في الحياة الشيعية ، وظهرت شخصية الأسترآبادي ( 1036 ه ) التي قلبت الطاولة على الجميع ، فأعيد - مع الأخبارية - رسم خارطة المعرفة الدينية برمّتها ، وجدّد النظر في مسلسل الأولويات المعرفية والعملانية ، وكانت القنبلة هذه لصالح السنّة المحكية بالدرجة الأولى ، إذ أعلنت النصوص الحديثية نصوصا يقينية مؤكّدة ، حتى بالغ جماعة في جعلها يقينية الدلالة أيضا ، ولم يقف الأمر عند هذا الحدّ بل أقصيت مصادر المعرفة الدينية الأخرى بما فيها العقل والكتاب ، وحصر تفسير القرآن بالسنّة ، واحتكر الحديث كل المعطيات الدينية تقريبا ، وساد عصر ازدهار السنّة هذا الحياة الشيعية لقرابة القرنين من الزمان . ورغم النهاية المحمودة التي سطرها البهبهاني ( 1205 ه ) والبحراني ( 1186 ه ) ، إلّا أنّ ظهور الميرزا الأخباري ( 1232 ه ) وتعقيدات المرحلة القاجارية أدّى إلى نهاية مفجعة ، أعتقد أنّها كانت وصمة عار في تاريخ التيار العقلاني المتمثل بمدرسة أصول الفقه ، لقد قتل الميرزا الأخباري شرّ قتلة في بغداد ، لتنتهي - بمقتله - حقبة حراك فكري عارم ، رغم كلّ سلبياته ورغم كل مواقفنا منه « 1 » . لقد أعادت المدرسة الأصولية خيمة الظن ، وفرشت بساط الشك ، وانزاحت الحركة العقلية معها عن اليقين ، وعصفت النقود بمعطيات الموروث ، فشيدت مدرسة الظن هذه المرّة بمعالم فلسفية ، بلغت مبلغها مع مباحث الحجج من علم أصول الفقه ، بل أفرط في الظن حتى هزّت مقولة الانسداد أعمدة الاجتهاد الديني عموما لفترة من الزمن ، قبل أن يجهز عليها نهائيا الشيخ الأنصاري ( 1281 ه ) . وهكذا سادت نظرية الظن مرة أخرى ، وأعلن الخبر الواحد أبرز مصادر المعرفة الدينية ، سيّما في مجال النقليات من الفقه ونحوه ؛ فكأن سلسلة التاريخ في الفكر الشيعي بدأت مع اليقين ، ثم الظن مع العلامة ، ثم اليقين مع الأخبارية ، ثم الظن في الحقبة المتأخرة . كان الإطار العقلي الفلسفي هو الحاكم والمهيمن في هذه الحقبة على جهود رجال الإمامية ، فأعادوا شرعنة الاعتماد على الظن على أساسه ، بل سعوا جادين - وإن لم يتفقوا - لتشييد براهين عقلية بحتة لصالح خبر الواحد ، الأمر الذي لم يشهده مسرح الجدل الشيعي حول هذا الموضوع من قبل إلا نتفا ، وتنامى الجهد العقلي حتى أغرق موضوعات السنّة بجدالات تجريدية بحتة ، مثل أزمة الوسائط في الأسانيد ، وبجماع العقل والظن ظهر الانسداد أمام مفترق انسداد العقل وعقل الانسداد .

--> ( 1 ) - راجع الفصل الرابع من الكتاب .