حيدر حب الله
755
نظرية السنة في الفكر الإمامي الشيعي
وصلتك هي حجة ، مثل آية النبأ عند بعضهم حين تقول لك : كل خبر ثقة حجة ، فهي بذلك تعطي الحجية لكل روايات الاستحباب ، سواء كان رجالها ثقاتا أو غير ثقات . وهذا هو أشدّ التفاسير انحيازا لصالح القاعدة ، والفرق بينه وبين التفسير الأوّل أن الأول يثبت استحبابا متفرعا على وصول الرواية ، بينما الثاني يثبت استحبابا سابقا عليها ، أي أن الثاني يقول لي : إن الخبر الذي اشتمل على الثواب حجة ، بمعنى هو طريق إلى الواقع ، أما الأول فيقول هو ليس بطريق للواقع ، بل وجوده يؤسّس لواقع جديد ، وقد وقع خلاف بينهم في وجود فرق عملي ميداني بينهما ، ويسمى الاستحباب المبني على الأول بالاستحباب المولوي النفسي ، والمبني على الثاني بالاستحباب الطريقي . الاحتمال الرابع : أن لا يكون في هذه الروايات سوى أنها تريد أن ترشدنا إلى حكم العقل بحسن الاحتياط ، أي تريد أن تقول : إن الاحتياط حسن ، وعلى الإنسان أن يعمل كل ما يمكنه أن يحصّل له الثواب والمغفرة والأجر . والذين يقولون بالاحتمال الثاني والرابع يرفضون قاعدة التسامح ، أما الذي يقول بالاحتمال الثالث فهو يأخذ بها ، أما الاحتمال الأول فهو أخذ مخفف بها أيضا على مستوى نظام الحجية . وقد وقع جدل طويل في أيّ من هذه الاحتمالات هو الأصح ؟ وشحن كل فريق لصالحه شواهد ومؤيدات ، لكن الفارق بين من يأخذ بالقاعدة ، ومن يرفضها لا يعنينا على هذا المستوى ، إنما نريد رصد تأثيرات القاعدة - أخذا بها وردّا - على المستوى العملي ، فالذين يأخذون بالقاعدة يفتون بالاستحباب ، أما من لا يأخذ بها فلا نجد عنده موقفا حاسما لرفض الاستحباب ، أي أنه بدل أن يقول لك : هذا غير مستحب ، يردف كلامه بالقول : لا بأس بالإتيان به برجاء المطلوبية ، أي أن زوال الاستحباب ظلّ يصاحبه إشارة نحو دعوة للقيام بالفعل الذي دلّت عليه الرواية الضعيفة برجاء وعلى أمل أن يكون مطلوبا ، في نزعة واضحة نحو الاحتياط والرغبة في تحصيل الثواب ، حتى أننا نجد أمثال السيد الخوئي ممن يرفضون القاعدة بشدّة لا يتميز المستحب عن غيره عنده في رسالته العملية ، إلا لمن كان خبيرا باللغة الفقهية ودقة تعبيرات الفقهاء ، وكأنه غير معني بالكشف عن بطلان استحباب مستحب بقدر ما هو معني بالكشف عن استحبابه لو كان استحبابه ثابتا ، ولهذا يقول في المستحب مثلا : يستحب فعل كذا ، أما في غير المستحب مما جاءت فيه رواية ضعيفة ، فلا يقول لك : هذا غير مستحب ، بل يقول : ذكروا أنه يستحب كذا وكذا . . . « 1 » ، وبإمكانك - عبر رصد كلمات الفقهاء - أن تتأكد أنهم لا يحملون همّ إبطال
--> ( 1 ) - راجع له - على سبيل المثال - : منهاج الصالحين 1 : 49 ، 77 ، 78 ، 80 - 82 ، 86 ، 148 ، 223 - 224 .