حيدر حب الله
735
نظرية السنة في الفكر الإمامي الشيعي
مهددا في وجوده بالخطر ، وكانت زيارة المراقد تعبيرا عنيفا عن حضور هذا المذهب ، وكان الخلفاء العباسيون يهدفون قلع المراقد من جذورها ؛ لهذا وجدنا النصوص تؤكد وجوب الزيارة ، لا لأنها واجبة وجوبا إلهيا ، بل لأن الظرف الزمكاني كان يستدعي - استثناء - وجوبها ، وعندما زال هذا الظرف ، وكذا قبل أن يأتي ، وجدنا النصوص تفيد الاستحباب ، وبهذا الفهم التاريخي يرتفع التنافي المتوهّم بين نصوص زيارة الحسين عليه السّلام « 1 » . الأنموذج الثالث : ويذهب بعضهم إلى عدم كون الرقّ تشريعا إلهيا ثابتا في التعامل مع أسرى الحرب ، ويستشهد لذلك بقوله تعالى : فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِداءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها محمد : 4 ، حيث لم تذكر الآية سوى المنّ أو الإطلاق بفدية ، ولكي يفسّر ظاهرة الاسترقاق في الحروب ، يراها ناشئة من ظرف تاريخي ، ذلك أن منطق الحرب في ذلك الزمان كان يقوم على الاسترقاق ، ولما كان الإسلام مؤمنا بمبدإ التعامل بالمثل أجاز للمسلمين الاسترقاق من هذا الباب ، ولذا كان أمر الرقية بيد الحاكم الشرعي لتحديد الحالة الخارجية الحاصلة . إن فهم نصوص الاسترقاق الروائية فهما يحوّلها إلى حكم ولائي تاريخي لهو مؤشر جليّ على ظهور النزعة التاريخية في فهم النصوص الحديثية مؤخرا بدرجة أكبر مما كانت عليه سابقا ، لا سيما عندما نرى حجم موضوع مثل موضوع الرقية . الأنموذج الرابع : يذهب أستاذنا السيد محمود الهاشمي في بعض حوارته ، أو يميل على الأقل ، إلى فرضية أن خمس أرباح المكاسب حكم ولائي غير ثابت ، بمعنى أنه ضريبة يجعلها حاكم المسلمين ، وقد صادف أن جعلت خمسا ، وربما يجعلها الحاكم اليوم أقلّ من الخمس أو أكثر منه ، تبعا لما يراه من المصلحة . إن هذه الفرضية حوّلت خمس أرباح المكاسب إلى حكم غير إلهي ، أي أن المعصومين عليهم السّلام إنما فرضوه لمصالح تاريخية ، وقد تتغير هذه المصالح التاريخية وقد تبقى ، وربما زالت ثم عادت ، وهذا تحوّل خطير جدا في مقولة فقهية شيعية من هذا النوع « 2 » . الأنموذج الخامس : ويحاول الشيخ أحمد آذري قمي رحمه اللّه وغيره أن يفهم روايات « العاقلة » في باب الديات فهما تاريخيا ، إنه يرى أن نظام العاقلة نظام ينسجم مع ظروف الحياة الزراعية والقبلية التي كانت سائدة آنذاك ، حيث كان التلاحم الأسري أساسا في الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية ، ومن ثم لا معنى لهذا الحكم في العصر الحاضر
--> ( 1 ) - مطهري ، المجموعة الكاملة 21 : 296 . ( 2 ) - محمود الهاشمي ، مجلّة فقه أهل البيت 2 : 94 ، 95 ، حوار حول الأموال الشرعية في الحكومة الإسلامية ؛ وانظر : ضياء مرتضوي ، أعمال مؤتمر الزمان والمكان 6 : 59 - 60 .