حيدر حب الله
734
نظرية السنة في الفكر الإمامي الشيعي
نماذج شيعية تطبيقية لتاريخية السنّة ونحاول هنا رصد نماذج عديدة دالّة ، لكي يخرج القارئ من خلالها بصورة عن الوضع الفكري الشيعي إزاء مقولة تاريخية السنّة . الأنموذج الأول : يذهب الشهيد محمد باقر الصدر إلى أن الأحكام الصادرة عن المعصوم عليه السّلام تنقسم إلى قسمين : أحكام إلهية ثابتة ، وأحكام حكومية إدارية متحوّلة ، والملزم لنا من بين الاثنين هو الأوّل منهما . وفي خطوة لافتة يحاول الصدر أن يقدّم معايير لتمييز الروايات ذات النوع الأوّل عن الثاني ، فيعطي مثالا وهو مجيء تعبير « قضى رسول اللّه » ، منضما إلى أن ما نهى عنه نقطع بعدم حرمته ، إن تعبير « قضى » وأمثاله إلى جانب الخصوصية الهامة المذكورة يراه الصدر دالا على تدبيرية الحكم الوارد في الرواية ، وعدم كونه ثابتا إلهيا ، أي أن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلّم لم يقله من حيث هو مبلّغ للرسالة ، بل قاله من حيث إنه حاكم وقائد لمجتمع « 1 » . وهذه الخطوة التمييزية لعلّها العنصر الأكثر حساسية وإثارة في موضوع تاريخية السنّة لدى العقل الشيعي ، بل والإسلامي عموما ، فهناك خوف من إنفاذ هذه المقولة في فهم النصوص الحديثية ، ومن ثم تقديم افتراضات لكلّ نص تطيح به لتجعله تاريخيا ، الأمر الذي لن يبقي من الدين عينا ولا أثرا يذكر . إن وجود حالة من اللانظام في رصد عناصر إثبات تاريخية نص وعناصر إثبات إلهيته وثباته تلعب دورا كبيرا في استمرار حالة التحفظ إزاء هذه المقولة في الداخل الشيعي ، حذرا من ممارسة أشكال من الإفراط غير المنضبط تطيح بالدين ولا تبقي منه شيئا . لهذه كانت فكرة الصدر هذه في التمييز بين المنهي عنه المجمع على حليته وغيره ، لا سيما مع مجيء كلمة « قضى » ، على بساطتها وأوليتها ، متميزة وضرورية جدا لترشيد هذا المفهوم عمليا . الأنموذج الثاني : يعتقد الشهيد مرتضى مطهري أنه يمكن حلّ التعارض البادي أحيانا بين النصوص الحديثية عبر إعمال المنهج التاريخي ، والمثال الذي يؤكد لنا مقولة مطهري الروايات الواردة في زيارة الإمام الحسين عليه السّلام ، إذ يرى المطهري أن بعضها يفيد الوجوب فيما يفيد بعضها الآخر الاستحباب ، وهذا التعارض بين الوجوب وعدمه يحلّه مطهري عبر دراسة ظروف صدور النصوص ، ففي بعض الحقب التاريخية كان التشيع
--> ( 1 ) - محمد باقر الصدر ، اقتصادنا : 414 ، 726 - 727 .