حيدر حب الله
733
نظرية السنة في الفكر الإمامي الشيعي
الإسلامية في العراق ، والإمام موسى الصدر في لبنان وصولا حتى الثورة الإسلامية في إيران مع الإمام روح اللّه الخميني . . . حصلت تحوّلات في العقل الشيعي ، ومن بين هذه التحوّلات دخول هذا العقل دائرة المتغيّر ، دائرة السياسة والاقتصاد وتحدّيات العصر و . . . أكثر بكثير مما كانت الحال عليه قبل ذلك . إن دخول العقل الديني الشيعي خضمّ الأحداث المتحوّلة لم تكن تأثيراته بسيطة أبدا ، فالعقل الذي يعيش أحداث التحوّل والصيرورة ، يختلف - تلقائيا - عن العقل الذي يعيش السكون ويبتعد عن المجريات ، ليس اختلافا في التطبيق العملي أو الممارسة الميدانية فحسب ، بل في الآليات والوعي وفهم الأحداث والمقولات أيضا . لقد شعر العقل الشيعي بوجود شيء اسمه المتغيّر ، مقولة لم يكن لها حضور من قبل ، كانت ممارسات الحياة خير شاهد على أن التاريخ والأحداث لا تقدّم إلينا بسكونية ، وإنما ضمن إطار عاصف من الصيرورة ، وإذا خاض الفقيه غمار الحياة السياسية ، فمن الطبيعي أن يعرف - بالوجدان - أن هذه الحياة لا يمكن أن تدار بأحكام ثابتة فحسب ، بل ثمة أحكام إنما تطلق للزمان والمكان . وهكذا أسقط العقل الشيعي صورته على التاريخ ، فظهرت المقولة التي تتحدّث بجدية هذه المرة عن مشكلة تجريد النص من ظروفه وشروطه ، في إشارة واضحة من باقر الصدر لضرورة وعي الواقع التاريخي « 1 » ، كما لاحظنا حديثا هاما حول وجود شخصيتين في المعصوم عليه السّلام : إحداهما إلهية ثابتة تصدر عنها الأحكام وتعبر عن وظيفة التبليغ الرسالي ، وثانيتهما : قيادية مرحلية ، تصدر عنها أحكام ولائية حكومية إدارية تدبيرية ، فهذا شيء طبيعي ، لا يمكن بعد خوض غمار الحياة الاقتناع بسكونية تجربة أهل البيت عليهم السّلام ، بل لديهم بالتأكيد نصوص صدرت للزمان والمكان ، هذا ما طرحه السيد محمد باقر الصدر في كتابه الشهير : اقتصادنا « 2 » . لم تكن فكرة الصدر نتاجا لعبقريته فحسب من وجهة نظرنا ، بل نتاجا لمنحى جديد دخله العقل الشيعي عموما ، نفق الصيرورة ومعايشة التحوّلات ، تحوّلات القرن العشرين ، الذي يساوي كلّ عقد منه قرنا من غيره ، كما يقولون . من هنا ، لاحظنا في الوسط الشيعي في الفترة الأخيرة حضورا أكبر لمقولة تاريخية السنّة على مستوى التنظير من جهة ، والممارسة من جهة أخرى ، وإن كان الطابع المتحفظ ما زال هو المبدأ الحاكم .
--> ( 1 ) - محمد باقر الصدر ، اقتصادنا : 409 - 413 . ( 2 ) - المصدر نفسه : 414 - 415 ، وانظر : فضل اللّه ، الندوة 4 : 436 - 437 ، وحوار على ورق : 48 - 49 ؛ وحسين رجبي ، مؤتمر أعمال الزمان والمكان 8 : 203 - 204 .