حيدر حب الله
642
نظرية السنة في الفكر الإمامي الشيعي
العقل والنص ، ومن هنا ، تجاوز حكميزاده - فيما يقول - عملية التطويع هذه للنص ، معتبرا إيّاها عملا عبثيا ، انطلاقا من مقولة يرجع إليها حكميزاده وهي : إنّ العاقل يفترض أن يقول ما يحمل مضمونا عرفيا عاما ، وإلّا اختلّ نظام المحاورة والحياة « 1 » . إنّ ما دفع حكميزاده للتخلّي عن نظرية التأويل ، التي نظّر لها المعتزلة من قبل ، اللامصداقية التي تورّطت حركة تأويل النص الديني في الإسلام بها ، إنّه يأخذ عينة واحدة ليدلّنا على تصوّره هذا « 2 » ، فقد تكوّنت في منظومة المعارف الدينية تفسيرات هائلة مسقطة لتأويل النص الإسلامي المقدّس في موضوع الفلك والهيئة وفقا لنظريات بطليموس وعلم الهيئة القديم ، إلّا أنّه سرعان ما أعيد إنتاج تفسير جديد للنص وفق علم الهيئة الجديد ، والملفت أن الآليات كانت واحدة في العمليتين معا ، مما أفقد هذه الآليات - أي البنية التأويلية نفسها - المصداقية ، وجعلها فعلا تبريريّا لا أكثر . ولكي يؤكّد حكميزاده تصوّره هذا لتعارض الروايات مع العلم والحسّ ، يسرد جملة أمثلة ينقلها عن المجلد الرابع عشر من بحار الأنوار ، مثل أنّ الشهادات الثلاث مكتوبة على القمر ، وأنّ هذا هو معنى التجاعيد التي تبدو لنا على هذا الجرم السماوي ، وأنّ يوم الجمعة أقصر من غيره ، وأن سبب البرودة والحرارة في الطقس كوكبا زحل والمريخ ، وأنّ كوكب المشتري نزل إلى الأرض بصورة رجل وعلّم علم النجوم لواحد من بلاد الهند ، وأنّ الرعد هو صوت الملك ، وأنّ المطر ينزل من تحت العرش إلى السماء الدنيا ، ثم إلى الغيم ، ثم إلى سطح الأرض ، وأنّ المدّ والجزر يحدثان بسبب وضع أحد الملائكة قدمه في البحر ثم رفعه إيّاها و . . « 3 » . أمّا نقّاد حكميزاده فكان لهم موقفهم من ملاحظته : أ - فقد لاحظ الخالصي ( 1343 ه ) « 4 » أنّ هناك خلطا حصل ما بين مخالف العقل ومخالف العادة ، وأنّه لا ينبغي اعتبار الحديث المخالف للعادة مخالفا للعقل « 5 » . أمّا المخالفة للعلم ، فقد قدّم الخالصي فيها تفصيلا حاصله : أنّ المخالفة إن كانت مخالفة للعلم اليقيني القطعي كالرياضيات أوجب ذلك طرح الحديث كليا ، وإما إن كانت
--> ( 1 ) - المصدر نفسه : 33 . ( 2 ) - المصدر نفسه . ( 3 ) - المصدر نفسه : 34 - 36 . ( 4 ) - كان الخالصي عالما متشدّدا جدا ، حتى أنّه حكم بكفر المرجع الشيعي محسن الحكيم لإصداره فتوى بطهارة أهل الكتاب ، وكان يرى أنّ إصدار مثل هذه الفتوى في ظلّ الصراع مع اليهود يدلّ على كفر ونفاق مفتيها ، راجع : رسول جعفريان ، جريانها وسازمانها : 353 ، الهامش رقم : 1 . ( 5 ) - الخالصي ، كشف الأستار : 34 .