حيدر حب الله

63

نظرية السنة في الفكر الإمامي الشيعي

هذا ، ولكنّ ذلك يجامع عدم استبعاد اعتمادهم على نصوص اليقين أيضا لا الاطمئنان ، والوجه في ذلك أنّ الفروع الفقهيّة ونحوها في الوسط الشيعي لم تكن كثيرة عصر الحضور ، فإن الفقه التفريعي خطوة ترجع أقدم محاولة لها إلى الشيخ الطوسي ( 460 ه ) في « المبسوط » أو على أبعد تقدير - كما ألمحنا سابقا - إلى الإسكافي والحسن بن أبي عقيل العماني ، وقد قيل في ذلك : إنّ الطوسي أتى بالفروع من مصنّفات أهل السنّة ، ولم تكن هذه الفروع متداولة في الوسط الشيعي ، كما يشهد على ذلك مراجعة الكتب التي سبقت الطوسي مثل كتاب المقنعة للمفيد ، والانتصار والناصريات للمرتضى ، والمقنع والهداية للصدوق ونحو ذلك ، حتّى كانت محاولة الطوسي هذه محلا لانتقاد بعض العلماء الذين أتوا بعده وعلى رأسهم ابن إدريس الحلّي ( 598 ه ) « 1 » . وهذا معناه أن الموضوعات التي تحتاج إلى الروايات ، وليس فيها مرجع آخر هي فروعات الفقه والأخلاق ، وهي موضوعات كانت محدودة جدا « 2 » ، ومن ثمّ فمهما كان تحصيل اليقين بأخبارها قليلا إلا أنّ قلّتها تنسجم مع قلّته ، ومن ثم فلا يصحّ قياس مرحلة ما قبل الطوسي على ما بعده ، فاحتمال أن يكون اعتمادهم على الخبر اليقيني بالتواتر أو القرائن - مثل اعتضاده بالإجماع أو دليل العقل أو الكتاب - وارد ، لا استحالة فيه ولا بعد ، نعم ، لو كانت الفروع الفقهيّة كثيرة جدا ، كما هو الحال في عصرنا الحاضر ، لكان لهذا الاستبعاد مجال ، ولهذا وجدنا الشيخ ابن إدريس الحلّي يؤلّف سرائره في الفقه الاستدلالي بعد تأليف المبسوط ، لكنه حيث كان منكرا لأخبار الآحاد الظنية - كما سيأتي - لم يكن كتابه في التفريع بحجم كتاب المبسوط ، بل الأمر كذلك حتّى مع كتب المحقق الحلّي رحمة اللّه . إنّ الخطأ الذي وقع فيه بعضهم أنّهم قاسوا مفردات الأمور فلاحظوها تعطي العلم العادي ، فنسبوا إلى المتقدّمين أن ما كان ينتج لهم منها هو هذا العلم العادي ، وقد قلنا مرارا وسنقول : إنّ هذه المقارنة غير صحيحة ، فإن نظرية الإجماع مثلا على مسلك الدخول أو اللطف قد تعطي اليقين البرهاني ، فلا يصحّ لمثل السيد باقر الصدر ( 1400 ه ) أن يدّعي أن الإجماع عند المتقدّمين يعطي اليقين الاستقرائي أو العلم العادي لمجرّد أن تحليله الشخصي للإجماع كان كذلك وفق حساب الاحتمال الرياضي ، وهكذا الحال في التواتر ، فمجرّد تفسيرنا للصغرى لا يصحّ الكبرى ، فمن الممكن جدا أن يحصل القطع

--> ( 1 ) - ابن إدريس الحلّي ، السرائر 2 : 365 . ( 2 ) - ينصّ السيد الخوئي على أن فقه القدماء فيه القليل من الكثير ، حسب تعبيره ، فراجع له : مستند العروة الوثقى ، كتاب الصلاة 8 : 379 . 380 .