حيدر حب الله
62
نظرية السنة في الفكر الإمامي الشيعي
هذا الاستبعاد من أنّه من غير المنطقي افتراض أنّه كانت تحصل لهم من جميع الأحاديث التي كانوا يعملون بها حالة يقين برهاني يستبطن اليقين بالشيء مع استحالة خلافه ، فإنّ هذا إذا تمّ في التواتر فلا يتمّ في جميع الروايات التي كانت متوافرة آنذاك ، إذا فيجب القول بأنّه كان يحصل لهم من تلك النصوص اليقين بالمعنى الأعم من اليقين البرهاني واليقين العادي ممّا يسمّى بالظنّ الاطمئناني . ولكي تنجلي صورة هذا الاستبعاد نلاحظ ما ذكره بعض الأخباريين من أنّ المراد باليقين الذي كان يعمل به معاصر وحقبة الحضور هو اليقين العادي « 1 » ، والمقصود باليقين العادي الاطمئنان الذي لا يعتنى معه باحتمال الخلاف رغم وجوده ، فإذا كان الأخباريّون الذين يدّعون قطعية الروايات يحاولون تفسير اليقين بذلك ، فكيف يمكن تجاوزهم - على تشدّدهم في هذا الأمر - وزعم أن الشيعة زمن الحضور كانت لا تعمل بهذا اليقين بل بخصوص اليقين بمعناه البرهاني ؟ ! والذي يبدو لنا أنّ هذه الملاحظة التي أثارها الشيخ الأنصاري ( 1281 ه ) وجماعة « 2 » في تحليله موقف السيّد المرتضى على ما سيأتي إن شاء اللّه تعالى ، جديرة بالتأمّل ، وفي الحقيقة ليس ثمّة ما يبعّد هذا الاحتمال ، إذا تخطينا مثل ادّعاء السيد المرتضى الآتي لاحقا ، والسبب هو أنّ هذا الاحتمال يمكن استبعاده لو كانت بأيدينا نصوص تعود لتلك الحقبة تصرّح - فيما نفهمه منها هنا - بعدم العمل إلّا باليقين القاطع الجازم الذي لا احتمال للخلاف فيه ، كما قد يقال مع السيد المرتضى وابن إدريس وفق ما سيوافينا بحثه ، لكن حيث لا نملك نصوصا وأردنا غضّ الطرف عن حال الحقبة الممتدة من المفيد ( 413 ه ) وحتى العلامة ( 726 ه ) إذ قد ترجّح طرفا على طرف ، لزمنا الإبقاء على هذا الاحتمال ، فهو قريب جدا ، سيّما على ما أشار إليه بعض الأخباريين - كما سيأتي في محلّه - من أنّ العلم في اللغة العربيّة يطلق على اليقين الجازم وعلى الاطمئنان وما يسكن النفس على نحو الحقيقة ، فإذا صحّت هذه المقولة ، فإنّ المترقّب حينئذ - ما لم يأت دليل على العكس - أن يكون التعاطي العفوي لمتشرّعة عصر الحضور قائما على هذا المدلول اللغوي ، لا لأنّ اللغة هي معيار هنا ، بل لأنّ ثبوت تحمّل اللغة لهذا المفهوم على نحو الحقيقة شاهد على أنّ العقل العربي لم يكن على تماس حصري مع مفهوم اليقين البرهاني ، مما يدلّل على أنّ العقل الجمعي يقوم اليقين عنده على مفهوم أوسع من المفهوم الأرسطي له ، ولهذا نتج عن هذا الوعي الجمعي مدلول لغوي على نحو الحقيقة .
--> ( 1 ) - الحسين بن شهاب الدين الكركي ، هداية الأبرار إلى طريق الأئمة الأطهار : 13 . ( 2 ) - فرائد الأصول 1 : 156 و 162 ؛ وراجع : المحقق العراقي في نهاية الأفكار 3 : القسم الأول : 136 - 137 .