حيدر حب الله
61
نظرية السنة في الفكر الإمامي الشيعي
فلتراجع « 1 » . لا بل يمكننا القول بأن أخبار الترجيح قليلة ظنية في سندها كلام فلا تصلح لوحدها هنا شاهدا على أمر تاريخي يفترض تحصيل اليقين - ولو الاطمئناني - فيه لا الحجية التعبّدية . وهذا كلّه معناه ، أن فرضيّة اليقين فرضية غير بعيدة ولا مستهجنة ، بل لعلّ طبيعة الأشياء تقتضيها ، وتجعل منها الفرضيّة الأقرب إلى الواقع ، سيما إذا نجحنا في البرهنة على أنّ مشهور الشيعة منذ بداية عصر الغيبة وإلى زمن العلامة الحلي في القرن الثامن الهجري كانوا يذهبون إلى عدم حجية الآحاد الظنية ، فإنّ فرضية اليقين في عصر الحضور بإمكانها - بسهولة - الانسجام مع هذه الشهرة المتأخّرة ، أمّا فرضية التعبد الظني فيجب عليها أن تفسّر هذا التحوّل في العقل الشيعي بمجرّد حصول الغيبة ، إذ لما ذا عدل الشيعة عن العمل تعبدا بأخبار الآحاد الظنية عصر الحضور إلى رفضها عصر الغيبة لما يزيد عن أربعة قرون مع استثناء مدرسة الشيخ الطوسي ؟ ! ولسنا نزعم أنّ الشيعة كانوا يرون قطعية الروايات كافّة أو ما كان موجودا منها في بعض المصادر المشهورة ، كما يحاول القول به بعض الأخبارية على ما سيأتي استعراضه لاحقا إن شاء اللّه تعالى ، بل نؤكّد على أنّ المراد أنّ الشيعة كانت عاملة بالخبر اليقيني ، لا أنّ كلّ خبر كان عندها يقيني ، فلم تكن الطائفة الشيعيّة - كما استقر بناه ولم نجزم به - عاملة في الرأي العام الغالب عليها بأخبار الآحاد الظنية حتى ما كان منها ظنّا قويا . وينتج عن ذلك : أنّ ما يقال من عمل الطائفة قديما بالخبر الموثوق ، إن أريد به الخبر المتيقّن منه فهذا صحيح ، وأمّا إن أريد منه مجرّد حالة الوثوق العام بمعنى كون احتمال الخلاف موجودا بدرجة معتد بها ، غايته لا يؤخذ به مثل 90 % أو 95 % فهذا غير معلوم على ما بيّنا . ومن الضروري هنا الإشارة إلى نقطة جديرة ، ستكون لنا وقفة معها أيضا في الفصل القادم ، وهي أنّه قد يتصوّر استبعاد ألّا يعمل الشيعة بالخبر الموثوق بمعنى الخبر الظني المتاخم للعلم أو ما بات يعرف اليوم في الدراسات الدينية بالاطمئنان « 2 » ، وينطلق
--> ( 1 ) - الصدر ، مباحث الأصول 2 : 484 - 496 ؛ وبحوث في علم الأصول 4 : 384 - 389 ؛ وراجع : الإيرواني ، الأصول في علم الأصول 2 : 273 . ( 2 ) - يقصد باليقين في الاصطلاح الأصولي السائد الجزم القاطع النافي لاحتمال الخلاف ، وهو اصطلاح جاء من الثقافة اليونانيّة ، فيما يقصد بالاطمئنان عندهم درجة عالية من الظن توجب سكون النفس ، وإن احتمل معها الخلاف والعكس بدرجة ضئيلة جدّا ، ونحن نستخدم مصطلحي اليقين والاطمئنان في هذا الكتاب بهذين المعنيين لكي لا نرتبك في درسنا التأريخي ، انسجاما مع المصطلح السائد .