حيدر حب الله
60
نظرية السنة في الفكر الإمامي الشيعي
وأمّا افتراض أن دلالة مثل أخبار التعارض على الحجية يعني نصّا من الأئمة عليهم السّلام على حجية خبر الواحد ، الأمر الذي يستدعي عمل الشيعة بأخبار الآحاد ، فهو افتراض لا يضرّ بفكرتنا هنا ، لأنّ المفروض أن تقعيد مبدأ الأوثقية مخصوص ببعض حالات التعارض ، ونحن لا ننكر أن يكون الشيعة عاملين بالأخبار الظنية في بعض الحالات الخاصّة ، وما ننكره أن تكون هذه الظاهرة هي المبدأ في سيرة المتشرّعة عصر الحضور ، كما سوف نشير إلى ذلك في نهاية الفصل الثاني إن شاء اللّه تعالى . وأما حديث السيد الصدر عن الترجيح بملاك الموافقة للقرآن الكريم ، فهو أيضا غير تام ، لأنّ صدور نصين متعارضين مخالف أحدهما للقرآن ليس بمستحيل أو بمنفي ، والوجه في ذلك أن الأخبار التي تحدّثت عن عدم صدور النصوص المخالفة للقرآن عن لسان أهل البيت مثل « فهو زخرف » « 1 » أو « لم نقله » « 2 » إنّما هي أخبار الطرح ، والتي تكون فيها الرواية منافية تماما للنص القرآني ، كما لو أجازت شرب الخمر مطلقا ، أما أخبار الترجيح فإنّ ما تعنيه المنافاة فيها إنما هو التنافي بين إحدى الروايتين والكتاب الكريم بنحو العموم والخصوص ، لا بنحو نفي النص القرآني أو روحه برمّته ، فإذا بني على جواز تخصيص الكتاب بدليل يقيني ، كان معنى ذلك مطابقة إحدى الروايتين المتعارضتين للكتاب تماما دون أيّ تناف ، فيما كانت الأخرى مقيّدة لإطلاقه أو مخصّصة لعمومه ، وحيث كانت الروايتان متيقنتين من حيث ذاتهما ، أعلم الإمام السائل أنّ الرواية الموافقة للقرآن هي الصحيحة ، وهذه الصحّة ليست إنباء غيبيا عن جميع حالات التعارض الآتي من هذا النوع ، بل إمّا مؤشر احتمالي من الإمام على أنّ غالبيّة الحالات التي تكون من هذا القبيل يكون المطابق منها للواقع هو غير المخالف للكتاب فيكشف بالاحتمال القوي عن خطأ اليقين بصدق أو إصابة إحدى الروايتين ، أو مجرّد حكم تعبّدي ظاهري ليس له إنباء عن الخارج فيكون بنفسه حكما إلهيا مقطوعا لفرض سماعه منه عليه السّلام . بل ربما أمكن التوقف في هذه النصوص إذا استثنينا أخبار : التعارض من مثل نصوص الحثّ على الكتابة للحديث ونشره ونصوص الإرجاع إلى بعض الشخصيات بأعيانهم وهم من أعاظم الأصحاب ، ونصوص عدم جواز التسرّع بردّ الأحاديث نتيجة أذواق شخصية و . . إذ لا تدلّ على شيء في المقام كما حقّق ذلك مفصلا الشهيد الصدر نفسه وغيره أيضا ممّن نحيل إليهم وإلى مناقشاتهم حتى لا نطيل البحث هنا
--> ( 1 ) - الحر العاملي ، وسائل الشيعة 27 : 110 ، 111 ، كتاب القضاء ، أبواب صفات القاضي ، باب 9 ، ح 12 و 14 . ( 2 ) - المصدر نفسه ، ح 15 .