حيدر حب الله

59

نظرية السنة في الفكر الإمامي الشيعي

من تفسير سوى اعتمادهم على أخبار الثقات بوصفها أمرا مسلّما وسيرة قائمة بينهم كما يقول ذلك بعض العلماء البارزين « 1 » ، وهي نصوص يبرز أهمّها متمثلا في أخبار التعارض . . . أما هذه النصوص فلا تمثّل دليلا على شيوع ظاهرة الأخذ بأخبار الثقات من باب الظن ، لأنّ وجود الخبرين المتعارضين يستدعي سؤالا عن طبيعة الوظيفة المقرّرة في التعامل معهما حتّى لو كان الاعتماد قائما على اليقين ، فإذا واجهت دليلا من شأنه أن يعطي اليقين ثم اصطدمت بدليل معاكس يحتوي الخصوصيات نفسها ، فإن الحيرة تتملكك ، كيف السبيل للخروج من هذا المأزق ما دام كل دليل من حيث نفسه مفيدا لليقين ؟ ومن الطبيعي أن يلجأ المتشرّعة المؤمنون إلى إمامهم لكي يخبروه بهذه الظاهرة ، فلعلّ عنده قواعد تجعلهم قادرين على الحصول على خصوصيّة في أحد الخبرين تعزّزه فتضعف الخبر الآخر ، فيحصل اطمئنان أو يقين بواحد منهما بعد أن كانت الخصوصية كاشفة عن نقطة ضعف في أحدهما أو نقطة قوّة في الآخر . نعم ، أشار الشهيد محمد باقر الصدر ( 1400 ه ) إلى أن أخبار التعارض إذا كانت تجعل المعيار هو الأوثقية في أحد الراويين أو موافقة الكتاب ، فهي لا تتناسب مع فرض كون الخبرين متيقّنين ، لأن أوثقيّة أحد الراويين لا تجعل خبر الآخر يقينيا ، إذ كيف يمكن اليقين بخبرين معا ، أحد راوييهما أوثق من الآخر ، والمفروض أنّهما مختلفان « 2 » ؟ ! لكن هذه المحاولة تفترض اليقين الفعلي بالروايتين حتى مع تعارضهما ، وهو افتراض لسنا بحاجة إليه أبدا لكي نبرّر - في إطار بحثنا هنا وهو بحث تاريخي لا بحث أصولي يستنطق النص لإثبات حجية خبر الواحد فليلحظ ذلك جيدا - تساؤل الرواة ، بل بالإمكان القول بأنّ الراوي كان يعتقد بأنّ كلّ واحد من الخبرين من شأنه أن يعطي يقينا ، لكن لمّا تعارضا افتقد هذا اليقين ، فأراد أن يعرف ما ذا نفعل في هذه الحالة ، تماما كرجلين تعلم جيدا عند إخبار أحدهما لك أنّهما صادقان يقينا ولنفرضهما إمامين معصومين ، فإذا أخبراك بخبرين متعارضين ، فإن ثقتك بهما لا تهتزّ نظرا ليقينك العقدي بعصمتهما ، لكنّ تساؤلا ينفلت منك حول كيف يمكن العمل مع هذين الخبرين ؟ وهل هناك من تفسير لهذا التضارب ؟ وهذا ما كان يحصل مع بعض أصحاب الأئمة عليهم السّلام الذين كانوا يسمعون منهم أحيانا - وبالمباشرة - أخبارا ونصوصا مختلفة كما تفيده المعطيات الحديثية نفسها .

--> ( 1 ) - النائيني ، فوائد الأصول 3 : 189 - 191 ؛ والخميني ، أنوار الهداية 1 : 311 ، ومرتضى الفيروزآبادي ، عناية الأصول 3 : 241 ؛ ومحمد صادق الروحاني ، زبدة الأصول 3 : 155 . ( 2 ) - محمد باقر الصدر ، مباحث الأصول 2 : 497 ؛ وذهب إلى ذلك محمد صادق الروحاني في زبدة الأصول 3 : 155 .