حيدر حب الله
489
نظرية السنة في الفكر الإمامي الشيعي
أما المنفصل فهم غير معتادين عليه ، سيما إذا كان الفاصل الزمني بين العام والخاص كبيرا ، وعدم العادة هذه يقرّ بها حتى السيد باقر الصدر المناصر لنظرية التخصيص بمعناها الوسيع هذا . ومعنى هذا الكلام أن رواية إذا جاءت عن الإمام علي عليه السّلام وكانت عامة ، يمكن أن يكون مخصّصها ( لا ناسخها ) « 1 » رواية أخرى في عصر الإمام العسكري أواسط القرن الثالث الهجري ، فهل يسمّى هذا تخصيصا أم أنه عدول عن القانون الأول عند الناس ؟ لم يميّز أصول الفقه الشيعي المتأخر - في المعروف - بين الأمرين وبرهن على الشمول باليقين بأن أهل البيت عليهم السّلام استخدموا هذه الطريقة ولو لم تكن متعارفة بين الناس ، والشواهد كثيرة ، وأظن أن هذه الشواهد هي نفس النصوص المتعارضة ، لأن كثرتها توجب - عندهم - اليقين بصدور ولو بعضها ، مما يؤكد الظاهرة ، بشكل أو بآخر . إلا أنه في الفترة المتأخرة ظهر صوت يناقش في هذا الموضوع ، وهو كلام للعلامة محمد حسين فضل اللّه ، وإن لم نجده منسجما معه في تطبيقاته الفقهية كلها ، إنه يرى أنه لا يمكن لمتكلّم أن يصدر عاما عندما يسأل عن موضوع ويجيب عنه للسائل ، ثم يصدر بعد مائتي عاما خاصا في إطار جوابه لسائل آخر من منطقة أخرى ، إن هذا ليس نظاما دلاليا عرفيا ، ولا يمكن للعرف أن يفهمه ! « 2 » . ولا يقدّم لنا فضل اللّه حلا لهذا المعضل ، إذ باعتقادنا أنه لو أخذ بنظرية فضل اللّه أو تساؤله لتغيرت الكثير من الفتاوى ، بل أعتقد أنه كان ينبغي للفقه أن ينقلب انقلابا كبيرا ، لهذا بدا الموضوع عند فضل اللّه تساؤلا نقديا أكثر منه نظرية متكاملة . على أية حال ، فنظام الجمع العرفي يواجه هذه الظاهرة ، مهما فسّرناها . أضف إلى ذلك ملاحظة نقدية خاصة ، تتلخص في أن نظام الجمع العرفي في الفكر الأصولي الشيعي لم يراع في التطبيق أحيانا مقولة نعتقد أن العقلاء يؤكدون عليها ، وهي أن تتحمّل أطراف التعارض النتيجة النهائية ، فإذا جاءت رواية تقول : تجب الصلاة ، ثم جاءت رواية أخرى تقول : وجوب الصلاة مشروط بالبلوغ ، فإن الجمع بينهما بتقييد وجوب الصلاة المطلق في الأولى بحالة البلوغ يبدو مألوفا ، لأن الإنسان لا يذكر عند كلّ كلمة تمام قيود الحكم ، بل قد يحيل بعضها على قيود سبق ذكرها مثلا ، أما لو جاء حديث يقول : للأب أن يستبدّ بزواج ابنته ، ثم جاء حديث ثان يقول : للبنت الاستبداد بزواجها ، ثم جاء
--> ( 1 ) - ثمة بحوث هنا تعرّضوا لها في أن المخصص الذي يأتي بعد أو قبل حضور وقت العمل بالعام هل يكون تخصيصا أم نسخا ؟ وغيرها فلا ندخل في بحثها . ( 2 ) - محمد حسين فضل اللّه ، المنهج الاستدلالي : 28 .