حيدر حب الله

485

نظرية السنة في الفكر الإمامي الشيعي

توصّل إليه العقل باليقين - لا بالظن والتخمين - لا يمكن أن يصدر من المشرّعين الدينيين ما يخالفه ، ومعنى هذا كلّه أن أيّ حديث يخالف الواقع والحقيقة الخارجية أو يخالف العقل القطعي يجب طرحه جانبا أو إيكال علمه إلى أهله ، وهي العبارة المشهورة في الموروث الإمامي ، أو إعمال يد التأويل والتطويع فيه ، من هنا كان بالإمكان تأويل نصوص التجسيم والتشبيه للّه تعالى لأنها تخالف العقل ، وكان بالإمكان عند الإمامي تأويل النصوص التي تخالف العصمة في الأنبياء والأئمة ، لأنها تخالف الدليل العقلي القطعي على عصمتهم . ومعنى ذلك كلّه أن نظرية التعارض الشيعية مؤسّسة كلاميا على أركان ثلاثة : 1 - عدم التهافت الداخلي في الدين . 2 - عدم مخالفة النقل للحقيقة الخارجية . 3 - عدم مخالفة النقل للعقل . والجزء الهام على الصعيد الميداني لهذا العنصر البنائي في نظرية التعارض هو قدرة العقل على تطويع النصوص وتأويلها عندما تواجه حكما عقليا حاسما ، وإذا أردنا تحليل هذا المفهوم فلا مفرّ أمامنا من رصد مقولة الظهور اللغوي في الفكر الاجتهادي الإمامي ، فقد أصرّ علماء أصول الإمامية على أن غالبية نصوص الكتاب والسّنة ظنية الدلالة ، وعندما تكون كذلك فلا يمكنها مصادمة ما كان يقينا كحكم العقل ، فالعقل الأصولي الإمامي عزّز - بتأسيسه نظرية الظهور على نطاق واسع - مقولة تقديم العقل على النص ، فقد بدت اللغة أضعف من أن تواجه عقلا حاسما ، وهذه هي تفاعلات نظريات الكلام واللغة والأصول الشيعي « 1 » . لكن من بين هذا المسار الشيعي العام الموالف للمنهج الاعتزالي في التراث الإسلامي المؤسس على نظرية المجاز ، كانت هناك انتفاضتان ثوريتان ترفضان رسم المشهد على هذه الشاكلة وهما : 1 - الانتفاضة الأخبارية : وقد قلبت هذه الانتفاضة - كما درسناها سابقا - المشهور رأسا على عقب ، فرفعت درجة اليقين في الدلالة النقلية من جهة فيما خفضت درجته في معطيات العقل باستثناء قليل منها ، وبهذا انقلبت الأحكام من حيث تطبيقها وإن بقيت القاعدة من حيث نظريتها ، أي تقدّم اليقين على الظن ، فقد انحاز اليقين هذه المرة لصالح النص ، فبدا أكثر استحكاما مما أرادته المدرسة السائدة في الفكر الإمامي ، فيما لم يحظ العقل غالبا سوى بظنون وأوهام .

--> ( 1 ) - لمزيد من الاطلاع راجع : السيد المجاهد ، مفاتيح الأصول : 680 ؛ والصدر ، دروس في علم الأصول ، الحلقة الثانية : 448 ؛ وبحوث في علم الأصول 7 : 25 .