حيدر حب الله
479
نظرية السنة في الفكر الإمامي الشيعي
الخاتمة « 1 » ، في إشارة معبرة عن مديات علاقة هذا الموضوع بأصول الفقه ، ما لا يعنينا التطرّق إليه فعلا . وأهدف هنا إلى وضع القارئ في صورة إجمالية عامة لمعرفة طريقة تعاطي الفكر الأصولي الإمامي المعاصر مع ظاهرة التعارض ، وسوف نجد - بعد حذف التفاصيل والتفريعات - معالم مميزة للمشهد ، من أبرزها نفوذ بعض ملامح المنهج العقلي في التعامل مع النصوص ، ولا أقصد بالمنهج العقلي سوى آليات تتسم - كما يسميها العلامة فضل اللّه حينما ينعت بعض مناهج أصول الفقه - بهندسية عالية ، أي أنك تشعر مع الفكر الشيعي في تعامله مع ظاهرة التعارض وكأنك تتعامل داخل مختبر ، وسوف أركّز على هذه الفكرة ، لكن بعد رسم الصورة العامة لنظرية التعارض في الفكر الإمامي . معالم الهيكلية العامّة لنظرية التعارض وثمّة معالم رئيسية لنظرية التعارض الحديثة في الفكر الشيعي تتلخص صورتها على الشكال التالي : ثمة حالات يواجهها الإنسان يتوهم فيها أن بين نصين تعارضا ، لكنه سرعان ما يلتفت إلى أن ما استوحاه كان خاطئا ، وأن ما أعطته إياه الصورة الأولى كان خادعا ، إذا فليس هناك من تعارض بين النصين بعد إعادة النظر إليهما مرة تلو الأخرى . هذا المبدأ باللغة التي بسطناها هو ما يسمى بنظرية الجمع العرفي أو التوفيق العرفي ، إذ يرى علماء الإمامية أن هناك حالات من التعارض البدوي ( أي الذي يبدو للوهلة الأولى ) ، إلا أن العرف العام ونظام المحاورة اللغوية عندما يمعن النظر قليلا في الحالة المطروحة سرعان ما يوفّق بين أطرافها ، لكنه توفيق غير اعتباطي ، بل يقوم على نظام فهم عام للنصوص في العقل اللغوي الجمعي . وقد هدف علماء أصول الفقه الإمامي بطرح نظرية الجمع العرفي قوننة حالات التوفيق بين النصوص التي تبدو مختلفة أو متعارضة ، ولهذا سمّوا نظريتهم بالجمع العرفي ، مقابل ما أسموه بالجمع التبرّعي ، أي ذاك الجمع الذي يتبرّع الباحث فيه بالتوفيق بين نصين من عندياته دون ضوابط لغوية وحوارية يخضع لها ، وقد كانت ظاهرة الجمع التبرّعي قائمة على نظرية تسعى على الدوام للحفاظ على الحديث وعدم هدره ، إنها نظرية : « الجمع مهما أمكن أولى من الطرح » « 2 » ؛ أي أن توفق بين حديثين مهما كانت
--> ( 1 ) - الأنصاري ، فرائد الأصول 2 : 749 . ( 2 ) - طبعا ثمّة تفسيرات في كلمات بعض العلماء لقاعدة الإمكان هذه تجعلها منسجمة مع الجمع العرفي .