حيدر حب الله
480
نظرية السنة في الفكر الإمامي الشيعي
عملية التوفيق هذه ، يبقى مفضلا عن أن تطرح أحدهما جانبا وتأخذ بواحد ، فضلا عن طرح الاثنين معا ، وهي نظرية سلفية تماما بتعبيرنا اليوم ، فهي غير مستعدّة للتخلّي عن حديث حتى على حساب المعايير المنطقية العقلانية ، هذا إذا لم نفسّر - بالتفكيك اللغوي الصرف - كلمة « مهما أمكن » بالإمكان العرفي ، بما يحيل النظرية إلى نظرية التوفيق العرفي ، وهو ما تخالفه الشواهد التاريخية التطبيقية لا أقلّ في بعض مواضع كتاب الاستبصار للطوسي . إذن ، فنظرية الجمع العرفي ، والتشدّد الذي أبداه أمثال الشيخ الأنصاري ( 1281 ه ) من قاعدة « الجمع مهما أمكن » ، كانا تعبيرا جيدا عن اتجاه نحو ضبط عمليات فهم النصوص المختلفة . وتقوم نظرية الجمع العرفي المتأخرة على أركان غالبها ليس بالجديد على علم أصول الفقه الإسلامي عموما هي : 1 - نظرية التخصيص : فإذا جاء عام مثل « أكرم كل العلماء » ، ثم جاء خاص مثل « لا تكرم العلماء الفسقة » خصّصنا العام بالخاص ، وأصبحت النتيجة : وجوب إكرام العلماء إلا الفسقة . 2 - نظرية التقييد : فإذا جاء مطلق مثل : « أكرم العالم » ، ثم جاء مقيد ، مثل : لا تكرم فساق العلماء ، كانت النتيجة تقييد المطلق بالمقيد ، ومن ثم الخروج بالحكم التالي : « يجب إكرام العالم إلا إذا كان فاسقا » . 3 - نظرية الأظهر والظاهر : فإذا جاء حديث دلالته قوية وصريحة أكثر من غيره ، مثل : تجوز الصلاة في الشارع ، ثم جاء حديث آخر دلالته أضعف مثل : لا تصلّ في الشارع ، قدّمنا الأول على الثاني ، وذلك لأن الأول دلالته على الجواز بالنص ، فهو صريح فيه ، أما الثاني فدلالته بالظهور وهو دون الصراحة ، لأن النهي ظاهر في الحرمة لا نصّا فيها ، فنجمع بينهما بأن نتصرّف في الدليل الأضعف وهو الثاني هنا ، فنحمله على الكراهة ، حتى ينسجم مع الجواز بالمعنى العام ، ولهذا يسمّون هذه العملية بتقديم الأظهر على الظاهر . 4 - نظرية الحكومة : وهي من صناعة الشيخ الأنصاري وأستاذه النجفي صاحب جواهر الكلام . وتعني الحكومة أن يوسّع دليل أو يضيّق - تعبدا لا حقيقة - من موضوع دليل آخر عبر أشكال عدّة ، فالآية تقول : إن الربا حرام ، أما الرواية فلا تنصّ على حلية الربا بين الوالد وولده ، بل تقول : إن ما بين الوالد والولد ليس بربا ، فهي تنفي موضوع الحكم ، هادفة بذلك نفي الحكم نفسه ، ونفي الموضوع ليس حقيقيا ، لأن ما بين الوالد والولد يسمّى ربا حقيقة ، بل هو اعتباري تعبدي ما شئت فعبّر ، وقد تطوّر درس هذه النظرية جدا في