حيدر حب الله
475
نظرية السنة في الفكر الإمامي الشيعي
نظرية الإجماع والشهرة و . . . « 1 » ، وكان من أبرز تطبيقاته ما تحدّث فيه عن مقولة التواتر . ذهب الصدر إلى أن علمية التواتر لا تنبع من مسلّمات عقلية قبلية مسبقة ، تتمثل في مبدأ استحالة تواطؤ عدد كبير على الكذب ، فإن هذه العقلية القبلية تمثل في حد نفسها - من وجهة نظره - نتاجا استقرائيا واحتماليا ، لهذا أشاد الصدر يقينية التواتر على أساس حساب الاحتمال ، بمعنى أنه كلّما ازداد عدد المخبرين تضاءل احتمال كذبهم في عملية ضرب رياضية ، حتى يصل إلى درجة ملاصقة للصفر ، لكن الصدر لا يرضى بأن ينتج التواتر يقينا برهانيا قائما على معادلات عقلية حاسمة ، بحيث يغدو مفيدا لليقين القاطع الذي يستحيل خلافه ، لأن حساب الاحتمال لا يعطينا درجة المائة في المائة ، بل درجة من قوّة الاحتمال ، تبلغ حدا لا يغدو العقل معنيا معه بمراعاة احتمال الخلاف ، ذاك الاحتمال البالغ الضآلة . وهذا التعديل من السيد الصدر في غاية الأهمية ، إذ إنه يعيد رسم معرفيات نظرية التواتر ، طبقا للمنطق الرياضي والاستقرائي ، ويسقط عنها الصبغة الأرسطية البرهانية ، ولهذا السبب أخذ الصدر يركّز على العناصر التي تقوّي احتمال الخبر وجعلها على نوعين : مضعفات كمية ، ومضعفات كيفية ، فالكثرة العددية مضعف كمي ، لكنه لوحده غير مفيد غالبا بل لا بدّ أن تضاف إليه مضعفات كيفية . ويقصد الصدر بالمضعفات الكيفية خصوصية في الرواية تجعل احتمال الكذب فيها ضعيفا ، كأن تكون على خلاف مصالح الرواة وما شابه ذلك « 2 » ، وفي تحليل ممتاز يسمى الصدر لرسم صورة عن مجموعة العناصر التي تلعب دورا نشطا في تحريك عجلة التواتر كي يفيد اليقين ويقسّمها إلى قسمين : أحدهما العناصر الموضوعية المربوطة بالروايات نفسها ، والعناصر الذاتية المتصلة بشخصية السامع أو من وصل إليه الخبر المتواتر ، فمن جملة العناصر الموضوعية ما يسميه الصدر الاحتمال القبلي للقضية المتواترة ، فكلّما كان هذا الاحتمال عاليا سرّع ذلك في حصول اليقين من التواتر والعكس بالعكس ، فإذا جاءتنا الأخبار عن حدث عادي ليس فيه من غرابة كانت قوّة الاحتمال في صدقه جيدة ، لكن الخبر يضعف احتماله القبلي عندما يشتمل في حدّ نفسه مثلا على غرابة ، ويمثل الصدر
--> ( 1 ) - راجع : الصدر ، بحوث في علم الأصول 4 : 309 - 313 ، 321 ؛ ومباحث الأصول 2 : 293 - 303 . ( 2 ) - يذهب الصدر إلى أن الشك في مستوى وثاقة الراوي قد يفضي لعدم الأخذ بروايته إذا كان فيها مصلحة له ، ويمثل لذلك بالنخّاس ( بائع الرقيق ) عندما يروي خبرا لصالح تجارته ، انظر : مباحث الأصول 2 : 573 .