حيدر حب الله
459
نظرية السنة في الفكر الإمامي الشيعي
من هنا ، يثار أمامنا موضوع هام ، وهو أن الشهرة الإعراضية التي نتحدّث عنها تستخدم في موضعين - كما يقول بعضهم - هما : الأول : لإسقاط خبر صحيح السند عن الحجية والاعتبار حتى لو لم يكن هذا الخبر قد ابتلي بخبر آخر صحيح السند عارضه في المضمون ، ومعنى ذلك أن هناك طرفين فقط : أحدهما الخبر الصحيح السند المعرض عنه ، وثانيهما الشهرة الإعراضية ، ووظيفة الطرف الثاني إسقاط قيمة الطرف الأول دون أن يقدّم بديلا . الثاني : لترجيح خبر صحيح على آخر مثله ، بمعنى أنه لو عارض خبر صحيح السند خبرا آخر مثله ثم كانت الشهرة الإعراضية مركّزة على الخبر الثاني كان معنى ذلك أن الإعراض يوجب ترجيح الخبر الأول على الثاني ، أي أنه يسقط الثاني ، وفي الوقت عينه يقدّم لنا بديلا هو الخبر الأول غير المعرض عنه . وطبقا لهذا الافتراض الذي ينوّع دورة شهرة الإعراض ، تختلف نظرية الإعراض ، فإذا أخذنا بالحالة الثانية فإن معنى ذلك أن نظرية الإعراض لا تسقط الأخبار الصحيحة عن قيمتها ، بل تلعب دور مرجح خبر على آخر ، أي أنها تنحصر في دائرة التعارض ، ومن ثم لو لم يكن هناك تعارض فلا دور للإعراض ، على خلاف الأمر في الحالة الأولى ، ذلك أن الإعراض سوف يسقط قيمة الرواية الصحيحة في حدّ نفسها ، بلا فرق بين أن تكون مبتلاة بخبر صحيح آخر معارض لها في المضمون أو غير مبتلاة . وغرضنا من هذا الموضوع الهام هو أن كثيرا من كلمات العلماء الموزّعة في ثنايا المصنفات الإمامية لا سيما الفقهية منها ، جاء استخدام نظرية الإعراض فيها في إطار حالات تطبيقية لاحظنا معها أنها تتحدث عن حالات تعارض ، فهل يجعلنا ذلك نشك في تبني هؤلاء لنظرية الإعراض التي تهمنا هنا ؟ فنحن لا نتحدّث عن نظريات الترجيح في تعارض الأخبار بل نتحدّث عن قيمة الخبر نفسه . إنّ مراجعتنا لمصادر الفقه والأصول و . . . من مصنفات الإمامية جعلتنا مطمئنين من أنهم يذهبون إلى مبدأ نظرية الوهن ، وحتى في الحالات التي استخدموا فيها هذه النظرية في سياق اختلاف الأحاديث وظفوا تعبيرات دالّة تؤكد أنهم إنما قدّموا هذا الحديث على ذاك لأن إعراض الأصحاب عن الثاني كان مسقطا له في حدّ نفسه ، لا لأجل مسألة الترجيح فحسب ، وعلى القارئ مراجعة ما أحلناه عليه من المصادر في هوامش هذا الموضوع . نعم ، ثمة تعابير موهمة ، فالسيد محسن الحكيم يذكر أن إعراض الأصحاب عن خبر يمنعه عن صلاحية معارضة خبر آخر « 1 » ، لكن هذا النوع من الألفاظ لا يؤكّد تبني
--> ( 1 ) - الحكيم ، مستمسك العروة الوثقى 9 : 233 .