حيدر حب الله

409

نظرية السنة في الفكر الإمامي الشيعي

يرتض أيّا من هذه السبل الظنية . وقد فتشنا وبحثنا ، لكن مع الأسف الشديد كانت النتيجة محزنة ، فلم نعثر على أيّ دليل يؤكد أن اللّه سبحانه قد جعل سبيلا ظنيا ما حجة بينه وبين عباده ، إذا فما هو العمل ؟ إننا في البداية أمام مفترق له طريقان هما : 1 - أن نتجاهل هذه التكاليف الإلهية ، ونقنع أنفسنا - بعد العجز عن تحصيل العلم بها أو ما هو بقوّة العلم - بأنه لا مسؤولية لنا تجاهها ، فنهملها ونعيش حياتنا على ضوء المتيقن منها ، حتى لو كان أقلّ القليل . 2 - أن نتخذ مسلكا مقابلا تماما للمسلك الأوّل ، فنشدّ على عضد بعضنا للمحافظة على هذه التكاليف ، حتى لو استدعى الأمر أن نحتاط في كل حالة شككنا في وجود تكليف فيها ، فإذا شككنا في وجوب الدعاء عند رؤية الهلال قمنا به ، وإذا شككنا في حرمة شرب النبيذ تركناه من فورنا وهكذا ، إن هذا السبيل وما شاكله هو الأضمن لنا في مواجهتنا لربّنا يوم القيامة . لكننا عند مفترق الطرق هذا لم نجد أيا من هذين السبيلين هو الحلّ ؛ ذلك أن السبيل الأوّل نتيقن بأن اللّه لا يرضى به ، إنه لا يقبل أن نترك هذا الدين ونهمل أحكامه بالكلية ، لمجرّد أننا واجهنا معضلا في وصولنا إليها ، إن هذا الشيء متأكدون منه ، لذا فالأفضل أن نتجاهل هذا الحلّ ، وننظر في الطريق الثاني . لكن الطريق الثاني غير منطقي أيضا ، إذ كيف يمكن أن نحتاط في شؤون حياتنا كلّها إلا ما شذّ وندر ، إن شخصا واحدا يصاب بالعسر والحرج جراء ذلك ، فكيف إذا طلبنا من أمة من الناس أن تعيش حياتها وفقه ، إن ذلك يؤدي - بالتأكيد - إلى اختلال نظام الحياة ، وسيادة الارتباك والفوضى . بهذا أغلقت الأبواب جميعها أمام ناظرينا ، فلا من حلّ ، لا نحن قادرون على الاحتياط ، ولا مستطيعون إهمال الشريعة ، لا نحن متمكّنون من الوصول إلى العلم ، ولا بالغون سبيل الظن الخاص المعتبر ، فما ذا نفعل ؟ ! لم يعد أمامنا سوى افتراضان : إما أن نأخذ بما نظن من التكاليف ، من أي واد أتى هذا الظن أو نأخذ بالموهومات والمحتملات التي تنزل عن درجة الخمسين في المائة من الاحتمال ، لكن عقلنا يأتي هنا ليصدر حكمه ، وهذا هو الدليل العقلي ، إن تقديم موهوم على مظنون ترجيح للمرجوح على الراجح ، وهو قبيح ، فلا بدّ إذا من تقديم الظن أينما وجدناه ، وبهذا تكون النتيجة حكما عقليا بحجية مطلق الظن . كانت هذه واحدة من أوضح صيغ دليل الانسداد ، وأكثرها دقة ومتانة .