حيدر حب الله

401

نظرية السنة في الفكر الإمامي الشيعي

القول : إنه قضى عليه ، حتى أخذ بالتقلّص في الحضور تدريجيا ، وفي الحجم ، في دراسات علماء الشيعة ، بل إن بعضهم حذف البحث فيه كليا ، وسمعنا مطالبات اليوم بحذفه من الدراسة المنهجية في الحوزات العلمية الشيعية ، بل قد حذفت دراسة كثير من ملحقاته فعلا لدى أوساط حوزوية كثيرة ، مما يشير إلى حسم موضوع حجية خبر الواحد ، لأن هناك علاقة وطيدة بين نظريات خبر الواحد والمقصودين بالإفهام والمشافهين من جهة ونظرية الانسداد من جهة أخرى كما سنشير ، وحيث تحوّلت نظرية خبر الواحد - كما أشرنا من قبل واتضح - واحدة من مسلّمات الاجتهاد الشيعي في العصر المتأخر ، كان من الطبيعي أن يتقلّص دور الانسداد ؛ ولعله لهذا اعتبر النائيني البحث فيه قليل الفائدة « 1 » . لكن الجوّ العام بعد الحقبة الأخبارية هو الذي ساهم في تعزيز الظن وبلغ أوجه مع نظرية الانسداد ، ليعيد الفكر الشيعي توازنه بعد الأنصاري ، متوسطا مدرسة اليقين المطلق ومدرسة الشك المطلق ، ولهذا كان القرن الثالث عشر بل وحتى بعض الثاني عشر ، عصر ازدهار الدرس الانسدادي ، وكان هناك تفكير واسع بغموض الدين ، وأختار هنا نصا دالا جدا يعكس الوضع المأزوم آنذاك ، إذ يدلّنا هذا النص للشيخ جعفر كاشف الغطاء ( 1227 ه ) على ظهور حالة من القلق على الموقف الشيعي إزاء الطوائف الأخرى ، بعد موجة ناقدة للعلماء ومؤكّدة على وجود الغموض ، فهل التشيّع غامض ملتبس لا يقين فيه ؟ ! يقول كاشف الغطاء في نصّه / الوثيقة ، بعد تأكيده على أن الفقيه مستغن غالبا بالقرآن والحديث المتواتر و . . . عن الأخبار الظنية ، التي تمثل مرحلة الاضطرار ، ذلك أن المذهب الشيعي ليس بأقلّ وضوحا من سائر المذاهب « 2 » . . . يقول : « فما أدري ! وليتني علمت ! أنه ما السبب وما الباعث في أنّ بعض أصحابنا رضوان اللّه عليهم لم يزالوا ساعين في إخماد ضوء الشريعة الغرّاء ، وإثبات الخفاء ( ! ! ! ) في مذهب أئمة الهدى ! حتى فتحوا للأعداء أكبر الأبواب ، ونسبوا أكابر فقهائنا إلى الخطأ ، وأبعدوهم عن الصواب ، وبعثوا على تجرّي الأطفال على فحول العلماء الذين لولاهم لم يعرف الحرام من الحلال ، وتلك مصيبة عامّة ، نسأل اللّه تعالى الوقاية منها » « 3 » . كان الانسدادي مصرّا على الجهل بالدين وغموضه وخفائه ، حتى أن بعض الأصوليين والفقهاء « 4 » تدارسوا في مباحث الاجتهاد والتقليد عن جواز تقليد الانسدادي ، إذ

--> ( 1 ) - النائيني ، فوائد الأصول 3 : 229 . ( 2 ) - جعفر كاشف الغطاء ، كشف الغطاء 1 : 214 - 215 . ( 3 ) - المصدر نفسه 1 : 215 . ( 4 ) - انظر : الخراساني ، كفاية الأصول ، مباحث الاجتهاد والتقليد : 530 - 533 ؛ والخوئي ، التنقيح ، كتاب الاجتهاد والتقليد : 240 - 243 ، فقد استشكل الأول ووافق الثاني على تقليد الانسدادي ؛ وراجع الموضوع -