حيدر حب الله
402
نظرية السنة في الفكر الإمامي الشيعي
التقليد رجوع الجاهل إلى العالم ، فكيف أرجع إلى الانسدادي ، وهو يقول بنفسه : إنني جاهل بالدين ، ولا علم لي به ؟ ! النقطة الأخرى التي نلفت النظر إليها هنا - في إطار تحليل ظاهرة الانسداد - تدور حول التجربة الميدانية للظاهرة الانسدادية ، فقد درسنا سابقا تجربة مدرسة اليقين ، ورأيناها أنتجت - على طريقتها الخاصّة - نظما من الاجتهاد الديني ، تشهد بذلك مصنفات كلّ من المرتضى ( 436 ه ) وابن إدريس ( 598 ه ) ، والسؤال : كيف كانت النتائج الميدانية لنظرية الانسداد ؟ بمعنى كيف كان يجتهد الميرزا القمي - وهو منظّر الانسداد - في الفقه الإسلامي ؟ هل كان يعتمد هناك على كل ظن يأتيه فيفتي على أساسه مهما كان مصدر هذا الظن ؛ باعتبار أن نظرية الانسداد تحكم بحجية كلّ ظن على الإطلاق تقريبا أم أن لديه سبيلا آخر كان يتبعه ؟ وإذا كان القمي ملتزما في الاجتهاد الفقهي بنظرية الظن المطلق ، فهل أنتج فقها آخر غير الفقه الأخباري والأصولي حتى عصره ؟ أليس من المنطقي والمترقب أن تترك نظرية كبيرة بهذا الحجم أثرا بالغا على نتائج الاجتهاد الديني عموما ؟ ! وهو - أي وجود تأثير كبير لها في الاجتهاد الديني - ما يؤكّد عليه المحقق التقي « 1 » . الذي يبدو لنا أن شيئا من ذلك لم يحدث ، بل على العكس تماما كان هناك متابعة متعمدة لنتائج الاجتهاد الذي سبق الانسداد ، فبعد مراجعتنا لثلاثة من أبرز كتب الميرزا القمي في الفقه الإسلامي وهي : غنائم الأيام ، ومناهج الأحكام ، وجامع الشتات ، لاحظنا - وبوضوح - أن منظر الانسداد لا يمكن تمييزه في الفقه عن غيره تمييزا جادا في إطار التأثيرات المحتملة لمقولة الانسداد ، لا في النتائج التي توصّل إليها ، والأهم لا في الآليات التي استخدمها ، فما هو الذي حصل ؟ ما نخمّنه إلى درجة الظن القوي أن صمّام الأمان الذي أعاد الميرزا القمي إلى سكّة أسلافه كان مقولة الشهرة الفتوائية ، فالذي يراجع مصنفات القمي الفقهية يرى بوضوح كم كان مراعيا لقول المشهور من الفقهاء ، بل ساعيا قدر جهده ومكنته في الدفاع عن رأي المشهور والانتصار له ، ومقولة الشهرة هي التي دفعت بعض العلماء إلى تصوّر قدماء الإمامية قائلين بالظن المطلق لعملهم بالمشهور « 2 » ، وبهذا نكون أمام فرضيتين محتملتين :
--> - نفسه عند الأصفهاني ، نهاية الدراية 3 : 429 - 434 ؛ والعراقي ، نهاية الأفكار 4 : 218 - 223 ؛ والميرزا الآملي ، مجمع الأفكار : 8 - 12 ؛ والمؤمن القمي ، تسديد الأصول 2 : 550 - 551 . ( 1 ) - محمد تقي الرازي الأصفهاني ، هداية المسترشدين 3 : 328 - 329 . ( 2 ) - راجع : المصدر نفسه : 329 - 330 .