حيدر حب الله

400

نظرية السنة في الفكر الإمامي الشيعي

رحلة المخرج من هذا المأزق ، ما هو الحلّ إذا بعد فقدان العلم بل وحتى الظنون الخاصّة ؟ ! الحلّ من وجهة نظر جماعة من العلماء مجموعة ( أو بعض أو واحد ) من الأدلة العقلية التي لا تنتج - مثل التي تقدّمت - حجية خبر الواحد بالخصوص ، بل تنتج اعتبار كل ظن في الدين ، ولهذا تسمى بأدلّة حجية الظن المطلق أو مطلق الظن . ومن بين هذه الأدلّة - وهو أهمّها - دليل معروف بدليل الانسداد « 1 » ، هو الذي ركّز العلماء عليه ، وعلى نتائجه وتفريعاته ، ووفقا لذلك ظهر ما سمّي بالانسداد الصغير والانسداد الكبير ، فالدليل الذي يعطي حجية مطلق الظن يسمّى عندهم بالانسداد الكبير - كما شرحناه - أما الدليل العقلي الذي يعطي حجية ظن خاص أو أي ظن لكن في دائرة الروايات ، كالعلم الإجمالي الذي طرحناه سابقا فهو الانسداد الصغير ، ما دام قائما على عدم دليل آخر على حجية الروايات ، وإن كان بين العلماء جدل مركّز في الفرق بين الانسداد الكبير والصغير « 2 » ، لكننا اخترنا هذه التفرقة انسجاما مع إيضاح البحث . ومن الضروري أن نعرف هنا أن الإمامية لم تتفاعل مع مقولة الانسداد بمعناها الأصولي الذي شرحناه « 3 » ، ورغم أن مباحث الانسداد ، أخذت في القرنين الماضيين حيزا كبيرا من دراسات أصول الفقه ، ووضعها العلماء في خاتمة مباحث حجية خبر الواحد ، إلا أن الأغلبية الساحقة لم تقبل به ، وردّته ردا قاطعا « 4 » ، فقد درسه صاحب الفصول وأخوه صاحب هداية المسترشدين على نطاق مركّز في القرن الثالث عشر الهجري ، واستمرّ حضوره في التنامي وتضخمت حوله البحوث إلى أن وصل الدور إلى الشيخ مرتضى الأنصاري ( 1281 ه ) الذي أفرد له مجالا كبيرا من كتاب فرائد الأصول ، وهناك يمكن

--> ( 1 ) - وضع السيد محمد باقر الصدر دليل الانسداد مع الأدلة العقلية على خبر الواحد في كتابه دروس في علم الأصول ، الحلقة الثالثة 1 : 249 ، لكنه خطأ منهجي ، ولعلّه تسامح في ذلك ، فهو ليس من أدلّة خبر الواحد ، بل من أدلّة كل ظن ، بما يشمل خبر الواحد ، فلا يصح دمجه مع الأدلّة الأخرى التي تختلف عنه في المضمون ، ولعلّه سار في ذلك على نهج الميرزا القمي صاحب القوانين ، كما سنشير لاحقا ، وكذا صاحب الفصول في كتابه : 277 - 278 . ( 2 ) - ذهب إلى هذه التفرقة : الإمام الخميني في أنوار الهداية 1 : 318 ، وراجع حول التمييز بين الانسدادين : النائيني ، فوائد الأصول 3 : 197 ؛ والشاهرودي ، نتائج الأفكار 3 : 269 - 270 ؛ والسبزواري ، تهذيب الأصول 2 : 114 . ( 3 ) - أبرز من مال إلى حجية الظن : الميرزا القمي ، وصاحب الفصول ، وصاحب المفاتيح و . . . ( 4 ) - يشير المحقق محمد تقي الرازي إلى أن تحليل فقه جميع علماء الإمامية يؤيد ذهاب معظمهم إلى حجية الظن الخاص لا المطلق ، ويرى أن اكتشاف ذلك يكون بتحليل ممارساتهم في الدرس الفقهي ، فراجع له : هداية المسترشدين 3 : 328 ، 329 .