حيدر حب الله

388

نظرية السنة في الفكر الإمامي الشيعي

للاستقراء » ، والمطلع على علم أصول الفقه الشيعي يعرف دور هذه النظرية في تكوين المقولات التي طرحها الصدر في الاستقراء ، ولهذا عينه وجدنا هذه النظرية تتطوّر - ومع الصدر أيضا - في علاقة جدلية داخل علم أصول الفقه . هذان العاملان كانا المؤثرين الأساسيين في تطوّر الاستدلال العقلي على نظرية السنّة الظنية ، إلى جانب العامل الفلسفي التجريدي العام الذي غطى نشاط علماء الشيعة في القرون الثلاثة الأخيرة . إذن ، فظهور - أو على الأقل - التنامي المفاجئ للدليل العقلي في نظرية السنّة عند الشيعة في الحقبة الأخيرة ، يمثل ميزة من ميزاتها ، ولهذا سوف نطلع القارئ على رؤية عامة عابرة للمشهد العقلي في نظرية السنة ، وقد أشرنا إلى أن هذا المشهد يتكوّن من أضلاع ثلاثة هي : فلسفة الظنون ، والدليل العقلي ، ومقولة الانسداد ، إلى جانب ضلع صغير آخر هو موضوع : حجية الخبر مع الواسطة . ولكي نستوعب حركة الاستدلال العقلي والشيعي على نظرية السنّة ، بعد ما فرغنا من الحديث عن فلسفة الظنون ، يجب أن نضع مقدّمة توضيحية حول العلم الإجمالي في أصول الفقه الشيعي . مقولة العلم الإجمالي ودورها في التأسيس العقلي لنظرية السنّة يرى علماء أصول الفقه الشيعي أن العلم ينقسم إلى قسمين : علم تفصيلي ، وآخر إجمالي ، ويقصد بالعلم التفصيلي ، انكشاف المعلوم بصورة تامة في عناوينه كلّها ، أي عنوانه العام وعنوانه الخاص ، كما إذا علمنا بأن هذا الإناء المعيّن نجس ، فإن هذا العلم لم يتعلّق بعنوان الإناء العام ، بل طال العنوان الخاص المشار إليه بكلمة ( هذا - المعين ) ، أما العلم الإجمالي فيقصدون به جماعا من علم وشك ، فعند ما تعلم بأن هناك إناء نجسا من خمسة أواني ، لكن لا تستطيع تحديده ، يكون عندك هنا علم إجمالي ، أي أنت من جهة تعلم بوجود إناء نجس ، لكنك من جهة أخرى تشك في أنّ أيا من هذه الأواني هو ذاك الإناء النجس ؟ وتقسيم العلم إلى تفصيلي وإجمالي ، أمر واضح يعرفه العقلاء ، لكن علماء الأصول الشيعي غرقوا في دراسة هذه الظاهرة ، حتى لاحظنا أنها كوّنت عندهم في بعض الأحيان نمطا من التعاطي مع الظواهر والأحداث ، داخل العلوم طبعا ، فقد ركّزوا جهدهم على تحليل حقيقة هذا العلم ، فخرجوا بنظريات عدّة تقترب من أربع نظريات ، لكن همهم الأساسي كان تحليل الجانب العملاني منه ، لهذا أخذوا يتحدّثون عن قدرة هذا العلم على التنجيز بمعناه الذي أسلفنا إيضاحه ، وكانت النظرية المعروفة بينهم - بعيدا عن