حيدر حب الله

389

نظرية السنة في الفكر الإمامي الشيعي

التفصيلات التي لا تعنينا فعلا - أن العلم الإجمالي ينجّز تمام الأطراف ، أي تمام تلك الأواني التي دخلت في دائرة الشك ؛ لاحتمال كونها الفرد المعلوم بالإجمال ، أي النجس ، ومعنى أنه ينجز أي لم يعد يمكن الوضوء من أيّ منها ، لاشتراط ماء الوضوء بالطهارة ، كما لم يعد يمكنني شربها ؛ لحرمة شرب المتنجّس ، إلى غير ذلك من الحالات . وبهذا ظهرت نظرية منجزية العلم الإجمالي ، فكلّما حصل علم بعنوان عام ، يسمّيه الأصوليون بالجامع ، ثم كان هناك شك مصاحب لهذا العلم ، يتحرّك في دائرة انطباق العنوان العام على أفراد محدّدة ، تنجّز هذا العلم ، ومعنى تنجّزه أنه يلزم الاحتياط في تمام تلك الأطراف ذات العلاقة ، فلو كان المعلوم بالإجمال حرمة شيء من عشرة لزم اجتناب العشرة معا ، وإذا كان وجوب شيء من عشرة لزم الإتيان بها جميعا ، إفراغا لذمّة العبد عن مسؤولية ذلك الشيء الذي علمه . وفي داخل بحث العلم الإجمالي هناك دراسات موسعة حول أركانه ، وفروعه ، وتفصيلاته ، ويعنينا لبحثنا هنا موضوع واحد هو انحلال العلم الإجمالي ؛ لصلته ببعض البراهين العقلية التي شيدت على نظرية السنّة « 1 » . ويقصد الأصوليون بهذا المصطلح أن العلم الإجمالي إذا تكوّن فربما يطرأ عليه ما يوجب انحلاله وتلاشيه ، وهذا الانحلال قد يكون حقيقيا وقد يكون حكميا ، وفي الحالة الأولى يزول هذا العلم من نفس صاحبه حقيقة ، ويعود كأن لا وجود له ، أما في الحالة الثانية فهو باق على وضعه التكويني في نفس صاحبه ، إلا أن هناك اعتبارات تشريعية معينة تجعله بحكم الملغى دون أن يزول واقعا . ويهمّنا النوع الأوّل من الانحلال ، أي الانحلال الحقيقي ، وفي هذا النوع يتحدّث الأصوليون عن شكلين للانحلال ، أحدهما يلغي هذا العلم الإجمالي حقيقة دون أن يحدث أو يستعاض عنه بعلم إجمالي آخر ، ويسمّون ذلك بانحلال العلم الإجمالي حقيقة إلى علم تفصيلي وشك بدوي ، وثانيهما يلغي هذا العلم الإجمالي حقيقة لصالح علم إجمالي آخر ، ويسمّون ذلك بانحلال العلم الإجمالي الكبير بالعلم الإجمالي الصغير ، ويجب أن نشرح هذين النحوين من الانحلال ؛ تمهيدا لفهم القارئ طبيعة الاستدلال العقلي الذي شاده علم الأصول الإمامي على نظرية العلم الإجمالي عادة . أما الانحلال الأول فمثاله أن أعلم إجمالا بنجاسة إناء من خمسة أوان ، لكنني لا

--> ( 1 ) - حول العلم الإجمالي في أصول الفقه الشيعي راجع - على سبيل المثال - : الصدر ، مباحث الأصول 4 : 15 - 299 ؛ ودروس في علم الأصول ، الحلقة الثالثة 2 : 73 - 149 ؛ وبحوث في علم الأصول 5 : 170 - 322 ، ونكتفي بالصدر لأننا نعتبره من أهم من نظم وأعاد صياغة وترتيب دراسات هذا المحور الفكري الهام ، فليراجع ؛ وانظر : صنقور علي ، المعجم الأصولي : 770 - 773 .