حيدر حب الله
387
نظرية السنة في الفكر الإمامي الشيعي
المحور الثاني تنامي حركة الاستدلال العقلي في نظرية السنّة إضافة إلى تنامي مشروع فلسفة الظن والاعتماد عليه في الحقبة الأخيرة ، يلاحظ في الدرس الشيعي لنظرية السنّة تناميا تصاعديا أيضا لدليل العقل في البرهنة على نظرية حجية السنّة المحكية الظنية ، بعد أن كان الرائج سابقا الاستدلال على حجية الآحاد ببعض الآيات القرآنية ، وكذلك بالإجماع ، كما ظهر من مطاوي ما سبق من فصول ، بعض أشكال هذه البرهنة العقلية ربما يكون سابقا على الحقبة المتأخرة ، إلا أن بعضها الآخر وليد القرون الأخيرة ، ولهذا يمكن القول : إن تطوّر الاستدلال العقلي ودراسته في موضوع نظرية السنّة يعدّ من ميزات الحقبة المتأخرة شيعيا ، ولعلّ أقدم محاولة من المحاولات العقلية ذات الطابع الجديد في نظرية خبر الواحد ترجع إلى الفاضل التوني ( 1071 ه ) في كتاب الوافية ، ثم تتالى العمل بعده ، فأتى الشيخ محمد تقي الأصفهاني ( 1248 ه ) بدليل جديد ، ثم برزت الأدلة بقوّة مع الشيخ الأنصاري ( 1281 ه ) لتتعرّض لنقد مركّز ، سرعان ما تفشى حتى لاحظنا أن الجوّ العام تقريبا بات يميل إلى التخلي عن هذه الأدلّة العقلية المؤسّسة بمجملها تقريبا على نظرية العلم الإجمالي ، إلا أن تخلّيه عنها لم يؤد إلى تغييبها على مستوى دراسة موضوع السنّة . وفي تقديري : إن عاملين أساسيين لعبا دورا في تكوين أكثر هذه الأدلّة العقلية هما : 1 - ظهور ثم تطوّر مقولة انسداد العلم ، سيما منذ الشيخ حسن صاحب المعالم ( 1011 ه ) ، وحتى عصر الشيخ الأنصاري ( 1281 ه ) الذي يمكن اعتباره اللاعب الرئيس على تحطيم هذه المقولة في علم الأصول ، والسبب - كما سنلاحظ - أن روح المنهج الذي يتعامل مع مقدّمات وفقرات دليل الانسداد يبدو ساريا في مجمل فقرات الأدلّة العقلية التي برزت إلى العلن مؤخرا . 2 - التطوّر اللافت لنظرية العلم الإجمالي ، تلك النظرية التي أبدت الأصوليين عباقرة لا يستهان بهم ، فمن تلك النظرية - في وجهة نظر شخصية - خرج السيد محمد باقر الصدر ( 1400 ه ) بالمذهب الذاتي للمعرفة الذي سطره في كتابه « الأسس المنطقية