حيدر حب الله

311

نظرية السنة في الفكر الإمامي الشيعي

البيت عليهم السّلام في قضايا لم يتعرّض لها النصّ القرآني ، كتفاصيل العبادات مثلا ، أليس هذا افتراقا لأحد الثقلين عن الآخر ؟ ! فلما ذا جاز الافتراق وصار عند الأسترآبادي أمرا يقينيا لا لبس فيه ، فيما منع عن الافتراق الآخر الذي يرجع فيه مباشرة للنص القرآن بحجة منافاة حديث الثقلين ؟ ! وإذا قيل : إنّ كلامهم عليهم السّلام موجود في القرآن بنحو الإجمال أمكن القول بأنّ الرجوع للقرآن الكريم هو في نهايته رجوع إليهم عليهم السّلام ما دامت معطياتهما واحدة ، وأمّا إذا قيل بأنّ القرآن أمرنا بالرجوع إليهم فإن أدلّة الأصولي تمثل أمرا بالرجوع للقرآن نفسه . وبهذا - وعبر مطالعة تجربة الأسترآبادي التأسيسيّة - نكون قد استطلعنا بدايات تكوين نظرية « السنة فقط » وهدم مرجعية القرآن ، وقد وجدنا أنها محاولة ابتدائية سرعان ما نمت مع التيار الأخباري في أدلّة أكثر تطوّرا ، كما سنلاحظ . الحسين بن شهاب الدين الكركي ( 1076 ه ) وجمع النصّ النافي لم يشر الأمين الأسترآبادي في استدلالاته إلى كمّ كبير من النصوص الروائية تساعده على دعم رأيه ، بل لقد أعمل المعول العقلاني في هدم الظواهر القرآنية عبر الاستعانة بمفاهيم تنتمي للمعقول ، مع إسنادها بيسير من النص الروائي ، ولم يشر صاحب « الفوائد المدنية » أيضا إلى فكرة تفسير القرآن بالرأي لتكون معينا له لسدّ باب النظر في القرآن الكريم ، ولهذا وجدنا أدلّته ما زالت تخضع - نسبيا - لدوائر المعقول أكثر من دوائر المنقول . لكن الوضع لم يدم على ذلك طويلا ، بل ظهرت محاولة لعلّها الأولى من نوعها ، وكانت هذه المرّة مع الشيخ حسين بن شهاب الدين الكركي ( 1076 ه ) ، فقد ألّف الكركي كتابه الشهير « هداية الأبرار إلى طريق الأئمة الأطهار » ، اعتمد فيه سحب البساط العقلاني من تحت مشروع علم أصول الفقه ، حينما حاول أن يجمع في الموضوعات الأصولية ، مختلف النصوص المتعلّقة بهذه الموضوعات ، فبدل أن تدرس فكرة : هل أن صيغة الأمر ظاهرة في الوجوب أم لا ؟ أو هل أنّ الجملة الشرطيّة لها مفهوم أم لا ؟ على نطاق التحليل العقلاني اللغوي ، عمد الكركي إلى جمع الروايات التي يفهم منها - حسب رأيه - أن أئمة أهل البيت عليهم السّلام أعطوا قاعدة في هذا المجال ، ومن ثم وضع تلك الروايات في كتابه هذا . وقد كانت محاولة الكركي هذه خطوة أولى في إضفاء لباس نصيّ على موضوعات الأصول ، قلنا سابقا : إنّها إحدى الخطوات الأساسية للمدرسة الأخبارية ، وهي خطوة تفرغ جهد الأصولي - خصم الأخباري - من مبرّراته ، وقد تلى هذه الخطوة خطوات أكبر وأكثر