حيدر حب الله
293
نظرية السنة في الفكر الإمامي الشيعي
خامسا : ثمّة امتياز جوهري للأصولية عن الأخبارية ، وهو القراءة الواقعية للفكر حسب رأينا ، لقد حاولت الأخبارية أن ترى التراث يقينيا في مظاهره كافّة سندا ودلالة كما لاحظنا ، لكن المدرسة الأصولية كانت ترفض بشدّة هذه القراءة ، فكانت أكثر واقعيّة في دراسة العدّة المعرفية المحمّلة بها ، إن القرائن المتضافرة التي شادها الأخباري لإثبات اليقين بصدور النصوص وبلغت أوجها - كما سبق - مع الحرّ العاملي ( 1104 ه ) ، لم تكن تقنع الأصولي ، وقد شاهدنا فيما مضى ، كيف كانت شواهد اليقين بالمضمون التي ذكرها الشيخ الطوسي ( 460 ه ) في « العدّة » قد تعرّضت لنقد بعد العلامة كما ظهر من مطاوي كلمات الشهيد الأول في « ذكرى الشيعة » ، ورغم أنّ الحركة الأخبارية أرادت مضاعفة هذه القرائن إلّا أن مدرسة الأصول لم تقتنع بذلك ، وجيشت كل ما نسمّيه عناصر التشكيك والنقد ؛ لكي تؤكّد أن التاريخ والتراث ليسا بذاك الوضوح الذي يقوله الأخباري . وقد تنامت نزعة النقد العقلاني للموروث ، والقراءة الواقعية للمعطيات دون تهويل . . إلى حدّ بلغت فيه مرحلة مفرطة في العقل الأصولي كما سنذكره لاحقا بتفصيل أكبر ، فظهرت فكرة الانسداد ، لتدلّل على أنّ العقل الأصولي كثّف من حملاته النقدية على المعطيات المعرفية المتوفرة في قراءة التراث ، إلى جانب عناصر أخرى لعبت دورا في تكوين مقولة الانسداد . ولا نريد التفصيل أكثر هنا في هذا الموضوع وسنتركه للفصل القادم إن شاء اللّه تعالى ، بقدر ما نريد التركيز على هذا الامتياز ، وأن التجاذبات التي كانت تحصل ترجع في بعدها المنهجي إلى عناصر من هذا النوع . والفرق بين ما قلناه هنا ، وما قدّمناه في الأمر الأوّل ، أننا نريد هنا التركيز على البعد المعرفي ، أمّا هناك فنريد التركيز على البعد الواقعي للتراث ، ما اقتضى التنبيه دفعا للالتباس . سادسا : بعد نهاية الحرب الأخبارية الأصولية بدايات القرن الثالث عشر الهجري ، وتعافي المدرسة الأصولية مما أصابها ، لم يجد الأصوليّون حرجا في توظيف المعطيات الأخبارية ، فتحوّلت نتاجات الأخباريين الحديثية إلى مرجع ، ووسائل الشيعة خير شاهد ، كما التقف البحث الأصولي معطيات الأخبارية في إعادة التكوين النصّي لعلم الأصول فدخلت تلك النصوص مجال الدرس الأصولي ، وبقوّة دون حرج أو إقصاء ، من هنا لاحظنا تناميا نصيا بعد الأخبارية إلى جانب التنامي العقلي الذي تفجّر مع الخوانساري ( 1099 ه ) في « مشارق الشموس » ، وبلغ ذروته مع الأصفهاني الكمباني ( 1361 ه ) في « نهاية الدراية » ، لكنّ التنامي العقلي كان مركّزا على مصادر الاجتهاد الفقهي ، ومغيبا نسبيّا عن مثل علم الكلام ، ولهذا خبا صوت علم الكلام عقليا ، مما ساعد على تنامي النزعة النصية فيه إلى بدايات القرن الرابع عشر الهجري .