حيدر حب الله
272
نظرية السنة في الفكر الإمامي الشيعي
كبيرة ، أشرنا إليها سابقا ، ولهذا يرى الملا علي كني ( 1306 ه ) أن نظرية الجبر بالشهرة تغيّر المعادلة هنا ، وتلغي هذه الإشكالية من جذورها « 1 » . ولربما كان من المفترض بالمدرسة الأخباريّة أن تحاسب المفردات بعيدا عن الانفعال ، فإن القلق والاضطراب والغضب كان مسيطرا عليها ، لا أقلّ على بعض أبرز شخصيّاتها ، فهذا المحدث البحراني أشهر معتدلي الأخباريّة يصف الشيخ حسن وصاحب المدارك بالقول : « قد سلكا في الأخبار مسلكا وعرا ، ونهجا منهجا عسيرا ، أمّا السيد محمد صاحب المدارك فإنّه ردّ أكثر الأحاديث من الموثقات والضعاف باصطلاحه ، وله فيها اضطراب . . . [ أما الشيخ حسن فإنه ] بلغ في الضيق إلى مبلغ سحيق » « 2 » ، وهذا الاضطراب أو الغضب يمكنه أن يوتّر الموقف ويجانب بصاحبه الصواب أحيانا . وهذا الموقف المتوتّر لا نزعم أنّ الأخباريّة وحدها تورّطت فيه ، فبعض كلمات الأصوليين تبدو لنا مخجلة جدّا ، أشرنا لبعضها في الهوامش السابقة ، وهذا ما يؤكّد أنّ الإفراط والتفريط لن يوصلا إلى نتيجة محمودة . وأمّا الحديث عن عبثية التدوين أو حرمته ، فهذا ما يمكن مناقشته بأنّ التدوين - حتّى على مبنى العلامة ومتشدّدي مدرسته - لم تعدم الفائدة منه ، كيف وكتاب المدارك والمسالك والتذكرة والمختلف والمنتهى والذكرى والدروس والروضة والمنتقى ومجمع الفائدة والبرهان ونهاية المرام وكتب متأخّري الأصوليين مشحونة من أوّلها إلى آخرها بالروايات ، فكيف يقال : إن التدوين قد انعدمت فائدته على مبنى مدرسة العلامة ؟ ! ويشبه هذا الدليل دليل آخر معاكس ذكره أحمد بن زين العابدين العلوي العاملي ( ق 11 ه ) في « مناهج الأخبار » ، حيث ذهب إلى أنّ القول بيقينيّة الكتب الحديثية الرئيسيّة يعني بطلان علم الرجال « 3 » ، ونحوه ما ذكره الملا علي كني « 4 » ، ولم نفهم ما المشكلة في بطلان علم الرجال بعد ثبوت النصوص ذاك الثبوت الذي ولد علم الرجال لأجله ؟ ! ! إنّ هذه السياقات النفسيّة التي تولد على أساس الترهيب من حدوث انهيارات في الفكر على تقدير رفض فكرة ما أو الأخذ بأخرى ، سمة تطبع أغلب التيارات الدينية ، وإن بدت في التيارات السلفيّة والنّصيّة بشكل أكبر . سادسا : إنّ هذا الاصطلاح مستحدث مع العلامة أو شيخه فيكون اجتهادا وظنّا ، فيكون مشمولا لأدلّة حرمة العمل بالظنون « 5 » .
--> ( 1 ) - الملا علي كني ، توضيح المقال : 67 . ( 2 ) - يوسف البحراني ، لؤلؤة البحرين : 45 - 46 . ( 3 ) - أحمد العلوي العاملي ، مناهج الأخبار في شرح الاستبصار 1 : 6 . ( 4 ) - الملا علي كني ، توضيح المقال : 41 - 42 ؛ وانظر عبد اللّه المامقاني ، تنقيح الرجال 1 : 175 ، 180 . ( 5 ) - الحرّ العاملي ، الوسائل 30 : 262 ؛ وهداية الأمّة 8 : 582 ؛ والأسترآبادي ، الفوائد المدنية : 123