حيدر حب الله

250

نظرية السنة في الفكر الإمامي الشيعي

الكتاب ليأخذ منه علم الدين والعمل به بالآثار الصحيحة ، ومعنى الصحّة في كلمات المتقدمين - على ما تقدّم سابقا - الثبوت والصدق الواقعي ، وهذا معناه أنّ الكلينيّ كان جازما - بعد أن قال بأن الله يسّر تأليف ما سألت - بصدور نصوص كتابه عنهم عليهم السّلام ، مما يعني لزوم صحتها ، فإذا لم يكن الكليني مرجعا لنا في تصحيح الأحاديث ، فكيف كان هو وأمثاله مرجعا لنا في توثيق الرواة وتضعيفهم ؟ ! إذ التفريق بين المقامين مشكل من الناحية المنهجيّة ، ومعه يلزم بطلان كتب الشيعة كافّة ! ! الرابع : إنّ الكلينيّ الرازي والصدوق والطوسي لم يضعوا في كتبهم ، أيّ معيار لتمييز الصحيح من الروايات عن غير الصحيح ، فلم نجد - بعد أن فتشنا الكتب كلّها - شيئا من هذا القبيل ، وعليه ، كيف يمكن للكليني مثلا أن يجعل كتابه مرشدا ومرجعا في مختلف أمور الدين دون معيار يرفع الحيرة عن ذلك السائل إلّا إذا كانت جميع رواياته صحيحة قطعيّة ؟ ! ! إذ يكون ناقضا لهدفه ومعدما للفائدة من وراء كتابه بالنسبة للسائل فضلا عن غيره ، بل هذه هي سنّة من يكتب كتابا لغيره « 1 » . هذه هي عصارة الرؤية الأخبارية للكليني والكافي ومقدّمته وبقية الكتب الحديثية المعروفة « 2 » ، يختمها أحد رجالات الأخبارية بالقول : « ومن لم يفهم هذا منه ، فلعدم اطلاعه على طريقة القدماء » « 3 » . لكن هذه الرؤية تواجه - في نفسها وعند المدرسة الأصولية - مشاكل : أوّلا : إنّ الجميع يحترمون جهود الكليني والصدوق والطوسي ، لا يرتاب في ذلك منهم مرتاب ، لكنّ مجرد صرفهم عمرهم في نقد الأحاديث وتنقيبها لا يعني صواب ما توصّلوا إليه ، فكم أفنى علماء من جميع الملل والمذاهب صادقين مخلصين أعمارهم ، دون أن يبلغوا الصواب في نتائجهم كافّة ، وهذا الدليل إنّما يعطي المنصف - بحساب الاحتمال - صدق بعض روايات الكافي والتهذيب و . . ، وهو أمر لا ينكره أحد على ما يبدو . إذن ، فيجب أن نفرّق بين مقام المدح والثناء مما ينتمي إلى الماينبغيات في دائرة العقل العملي ، وبين مقام التصويب والتخطئة مما ينتمي إلى دائرة العقل النظري ، إذ لا نقاش في الأوّل ، إنّما النقاش في الثاني .

--> ( 1 ) - الأسترآبادي ، الفوائد المدنية : 111 - 112 ، 128 ، 172 ، 175 ؛ وله أيضا الحاشية على التهذيب ، مخطوط ، الورقة رقم : 14 و 103 ؛ والحر العاملي ، الوسائل 30 : 196 ؛ وله أيضا : هداية الأمّة 8 : 565 ؛ والكركي ، هداية الأبرار : 19 ، 58 - 59 ، 74 ، 75 ، 84 ، 85 . ( 2 ) - راجع لمزيد من الاطلاع ، الأسترآبادي ، الفوائد المدنية : 375 ، 376 ؛ والحر العاملي ، الوسائل 30 : 193 - 201 ، 257 ، 264 - 265 ؛ وله أيضا : هداية الأمّة 8 : 564 - 566 ؛ والنمازي الشاهرودي ، الأعلام الهادية : 138 - 139 ، 147 - 157 . ( 3 ) - الكركي ، هداية الأبرار : 22 .