حيدر حب الله
240
نظرية السنة في الفكر الإمامي الشيعي
من الأخبار تعمل به ، وكلّ ما لم تسكن إليه النفس فذره في سنبله » « 1 » . من هنا ، ظهرت فكرة العلم الشرعي لتميّزه عن العلم المنطقي ، كما جاء في تعبير المحدّث الأخباري الشيخ نعمة اللّه الجزائري ( 1112 ه ) رادّا على صاحب المدارك « 2 » . وهذه الخطوة الأخبارية المماهية للمنطق الاستقرائي اليوم لها دلالاتها ، كونها تشكّل مفتاحا رئيسيا لإدخال احتمالات قوية كثيرة في دائرة العلم ، ومن ثم تكثّر مفردات اليقين في الخارج ، وتولّد تلقائيا قطعا له تطبيقات أكبر كما حصل مع الأخباريين ، حيث قطعوا بأمور كثيرة في دائرة السنّة ، حتى قال الحرّ العامليّ : إن هناك أكثر من عشرة آلاف مسألة من الأصول والفروع نصّ العلماء على تواتر أخبارها « 3 » ، بل يزيد بأنّ أكثر المطالب تجاوز حدّ التواتر المعنوي واللفظي « 4 » . ويحاول الأخباري الفرار من ضغط لزوم إصابة اليقين للواقع الحقيقي ، بذهابه إلى القول بأننا نريد اليقين بصدور هذا الحكم من المعصومين حتى لو حصل لنا ظن أنّه حكم اللّه ، نتيجة احتماله التقية أو غيرها ، لا اليقين بأنّه الحكم الواقعي الإلهي « 5 » . وهكذا تكوّنت يقينيّة السنّة ، لا أيّ خبر ، فالكركي يصرّح علنا بنصّ هام يحدّد معنى قول الأخباريين بصحّة الروايات ويقينيّتها إنّه يقول : « إنّنا لا ندّعي صحّة كل خبر في الدنيا ، كما يتوهّمه كثير ممن لا يفهم مقاصدنا ، بل ندّعي بأنّ الأخبار المنقولة في كتب أئمة الحديث الموجودة الآن ، خصوصا الكافي ومن لا يحضره الفقيه ، وما عمل به الشيخ [ الطوسي ] في كتبه كلّها صحيحة ، وما فيها من اختلاف فهو للتقيّة غالبا » « 6 » . بهذا تنأى الأخبارية عن أن تكون حشوية مفرطة كما تفيده كلمات مثل صاحب الميزان « 7 » ، فتحدّد دائرة السنة اليقينيّة ، لكن مع ذلك ، لاحظنا اختلافا داخل هذه الدائرة التي طرحها الكركي هنا « 8 » ، فظاهر كلمات بعضهم يقينية خصوص الكتب الأربعة ، وظاهر
--> ( 1 ) - الفيض الكاشاني ، الحقّ المبين في تحقيق كيفيّة التفقّه في الدين : 8 ، 9 . ( 2 ) - نعمة اللّه الجزائري ، كشف الأسرار في شرح الاستبصار 2 : 106 - 107 . ( 3 ) - الحرّ العاملي ، الفوائد الطوسية : 261 . ( 4 ) - المصدر نفسه : 270 ، 535 ، وراجع : 271 . ( 5 ) - انظر : نعمة اللّه الجزائري ، منبع الحياة : 64 . ( 6 ) - الكركي ، هداية الأبرار : 17 . ( 7 ) - محمد حسين الطباطبائي ، الميزان في تفسير القرآن 1 : 240 ، حيث يصرّح بأنّ بعض الأخباريين وأصحاب الحديث والحروريّة وغيرهم أخذوا بكل رواية منقولة كيفما كانت . ( 8 ) - يلاحظ وجود التذبذب في فهم دائرة الأخباريين هل خصوص الكتب الأربعة أو ما هو أوسع منها ، راجع - كأنموذج - : أبو الحسن الشعراني في تعليقته على شرح أصول الكافي للمازندراني 2 : 311 ، الهامش : 1 ؛ والملا علي كني ، توضيح المقال : 36 .