حيدر حب الله
239
نظرية السنة في الفكر الإمامي الشيعي
وعبر ذلك يؤسّس التيار الأخباري نظريّته على تحديد مفهوم العلم ، فالأخباريّون يعتقدون أن كلمة العلم في اللغة العربية تطلق على ما يشمل الاعتقاد الجازم النافي للخلاف كما يشمل ما يجعل احتمال الخلاف بعيدا ، وتخصيص اليقين بهذا الاصطلاح المنطقي الأرسطي المعروف مسألة جديدة حادثة ، لا يمكن قياس اللغة عليها ، وليس الأمر أمر لغة فحسب ، بل إنّ العلم المعتبر شرعا هو كلا هذين الأمرين ، بل إنّ تتبّع كلمات المتكلمين والأصوليين يعطي هذا المعنى الواسع للعلم ، فتكون العبرة به بعد أن سار عليه الصحابة وأصحاب الأئمة أيضا « 1 » . بل يترقّى التيار الأخباري في تكوينه لمفهوم العلم إلى حدّ ذهاب مثل الحرّ العاملي ( 1104 ه ) للقول بأنّ الفرض النادر والاحتمال البعيد لا ينافي العلم ، ولو نافاه لانعدم وجود العلم أساسا ، فإنّ اليقينيات المنطقية الستّة هي نفسها لا تخلو من احتمال مخالف ولو ضعيف « 2 » . وعندما يشعر أخباريّ مثل الكركي ( 1076 ه ) بأن مفهومه للعلم هذا قد يسري إلى مسائل أصول الدين ، يحاول سدّ الثغرة بالقول : إنّ اليقين في أصول الدين يجب أن يكون برهانيا ينفي احتمال الخلاف مطلقا ، أما في فروع الدين فيكفي اليقين الشامل للأمرين المتقدّمين معا « 3 » ، دون أن يرشدنا الكركي إلى سبب هذه التفرقة ما دام النصّ القرآني الذي يتحدّث عن العلم يستخدم المفردة نفسها في المجالين السالفي الذكر ! . وهكذا تتسع دائرة العلم لتطابق تقريبا مفهوم اليقين الاستقرائي المعاصر وفق ما أوضحه الشهيد الصدر في « الأسس المنطقية للاستقراء » وغيره « 4 » ، فلم تعد تلك القاطعية البرهانية مطلوبة في اليقين وتكوّنه ، بل صار يكفي حتى مع وجود ذاك الاحتمال الذي لا يعتدّ العقل به وإنّما يتجاوزه نحو قفزة ذاتية تفضي إلى سكون النفس واستقرارها . يقول الفيض الكاشاني ( 1091 ه ) - مؤسّسا نوعا من التشكيك والرتبيّة في العلم نفسه - : « ثمّ لا تظنّن أنّ العلم بصدق مضمون أخبار المعصومين عليهم السّلام لا بد أن يكون كالعلم بوجودهم في الوضوح والإنارة والقوّة ، أو تواترها كتواتره ، وإلّا فهي أخبار آحاد لا تفيد إلّا ظنّا ، كلا ، كيف ولو زعمت ذلك فما أراك تستيقن بإمامتهم . . . أكثر الأخبار الأحكامية ليست في القوّة بأقلّ من أخبار الإمامة متنا وسندا ، فكلّ ما اطمأنّت إليه النفس
--> ( 1 ) - الكركي ، هداية الأبرار : 12 - 14 . ( 2 ) - الحرّ العاملي ، الفوائد الطوسية : 533 . ( 3 ) - الكركي ، هداية الأبرار : 15 . ( 4 ) - محمد باقر الصدر ، الأسس المنطقية للاستقراء : 322 - 327 ؛ وانظر له : دروس في علم الأصول ، الحلقة الثانية : 166 - 168 .