حيدر حب الله
220
نظرية السنة في الفكر الإمامي الشيعي
على الأقل ، وهذا معناه انقسام المجتمع الشيعي إلى قسمين في مرحلة الانتقال هذه ، وهذا الانقسام شاهد واضح على أنّ ما يسمّيه السيد الصدر بالمرحلة قد تحوّل فعلا إلى حركة لها نمطها الخاصّ من التفكير . وبعبارة ثانية ، لم يتمّ الانتقال من مرحلة إلى أخرى بشكل عفوي وسلمي حتى يتحدّث عن مرحلة ، بل استطال قرابة القرن من الزمان صاحبته خلافات حقيقيّة في المنهج ، وهذا معناه أنّ ما نسميه مرحلة قد غدا تيارا ، حتى لو تلاشى بعد ذلك ، فإن مجرّد تلاشيه وانتقال العقل الشيعي إلى مرحلة جديدة لا يعني أنّ ما سبقها لم يكن يعرف تيارا يشابه التيار الذي ظهر فيما بعد مع الأمين الأسترآبادي . وقد لا نكون بحاجة إلى برهنة تاريخيّة على انقسام المجتمع الشيعي في هذا الأمر ، وإنما يكفينا التحليل التاريخي - الاجتماعي للمجتمعات الدينية عموما ، فإنّ طبيعة الأشياء والفرضية الأكثر منطقيّة هو حدوث انقسام في بدايات مرحلة التحوّل والانتقال من مرحلة إلى أخرى ، إذ خروج مجتمع ديني يعتمد النص والتعبّدية بشكل تام من هذه المرحلة إلى مرحلة إعمال العقل ونقد النصوص وتمحيصها ، وممارسا تأويلات معتزلية فيها ، يستدعي بطبيعته أن يهبّ تيار محافظ يستصرخ للحفاظ على الموروث ، تماما كما هو الحال في التجربة المعتزليّة عموما في المناخ الإسلامي العام ، وهذا ما تؤكّده تجارب الأديان المختلفة ، بل وواقعنا المعاصر أيضا ، ونهوض تيار محافظ قلق على الدين من شأنه طبيعة أن يحدث انقساما في المجتمع وجدلا وتجاذبا ، فإذا كان تأليف كتاب فقهي على غير لغة الأخبار والروايات بل بلغة فقهية جديدة موجبا لاستيحاش العلماء كما تقدّم في نصّ الطوسي في المبسوط ، ممّا يستدعي من الطوسي نفسه التنويه إلى ذلك ، فإن تحوّلا في المنهج سوف يتطلّب ليس استيحاشا فحسب ، بل رفضا ، أو صرخة على المستوى العام ، وهو ما يؤكّد لنا أنّه لا توجد مراحليه بدون ظهور حركات ذات خصوصيات ، ومواقف ذات انتماءات . بل يتعزّز كلامنا بما قاله الشهرستاني ( 548 ه ) نفسه في « الملل والنحل » : « وبين الإخبارية منهم والكلامية سيف وتكفير . . » « 1 » ، فإنّ هذا النص مهما بدا لنا مبالغا فيه ، يدلّ على صراع كان قائما بين الفريق النصّي والفريق العقلي ، كما شرحنا ذلك أيضا نهاية الفصل الثاني فراجع ، ولا نعيد . الملاحظة الثالثة : إن حكاية العلامة والشهرستاني والإيجي والجرجاني عن انقسام في الإمامية إلى فريقين ، لا يصحّ الفرار منه بدعوى أنّه مخصوص بأصول الدين ، ذلك أنّ وجود تيار في الوسط الشيعي أخباريّ في باب الأصول ، يعطي دلالة أكثر وضوحا على وجود
--> ( 1 ) - الشهرستاني ، الملل والنحل 1 : 154 .