حيدر حب الله

219

نظرية السنة في الفكر الإمامي الشيعي

بالأحاديث وإعطائها - في اهتمامهم - الأولوية العليا يعني أنّ المدرسة الأخبارية ممتدّة في العمق التاريخي ، ومن ثم يمكن تقسيمها إلى أخبارية قديمة وأخرى حديثة ، أما الفريق الثاني فكأنّه يحاول أن يطابق مجمل نظريات الأخبارية الحديثة مع أفكار مثل الكليني والصدوقين ، ولمّا لم يجد هذا التطابق - ولن يجده حسب الظاهر - حكم بأن المحدّثين القدامي ليسوا أخباريين ، ولنا هنا ملاحظات : الملاحظة الأولى : لا يمكن سلب صفة الأخبارية عن بعض المحدّثين القدامى لمجرّد أنّهم لا يقولون بأفكار الأسترآبادي ، فإنّ المدارس الفكريّة في طور تكوّنها تكون ببعض معالمها مختلفة عن معالمها نفسها في طور التكامل أو الاكتمال ، وهذا أمر طبيعي ، فمجرّد أن بعض النظريات تطوّرت أو أخذت في الحقب اللاحقة مظاهر مختلفة لا يعني القطيعة التامّة ، فعلم أصول الفقه القديم لا ريب أنّه يختلف عن علم أصول الفقه الجديد ، ولا يعني ذلك أن الأصوليين الجدد ليسوا استمرارا للأصولية القديمة . نعم ، تحصل القطيعة حينما تقع اختلافات جوهرية فيما بات يعرف اليوم بالهندسة المعرفية ، فإذا ظهر فريق تختلف أصوله ومناهجه و . . عن الماضي يمكن القول بأنّه على قطيعة مع التراث بهذا المعنى ، والمقصود بالهندسة المعرفية مجمل أضلاع العلم بدءا بالمنهج والمصادر المعرفية مرورا بالموضوع والهدف وصولا إلى اللغة والخطاب و . . كما هو الحال فيمن يدّعي اليوم القطيعة بين علم الكلام القديم وعلم الكلام الجديد « 1 » ، وهو أمر يبعد جدّا أن نؤكّد حدوث أمر من نوعه بين الكليني والبحراني مثلا . الملاحظة الثانية : إنّ ما قيل عن أنّ الأخبارية القديمة مرحلة لا حركة ، يمكن المناقشة فيه ، لأن القرنين الرابع والخامس - سيما الأوّل منهما - شهدا معركة حقيقيّة بين تيار الحديث وتيار الكلام على ما أسلفنا سابقا ، وقد برزت هذه المعركة في الجدل الذي وقع بين المفيد ( 413 ه ) والصدوق ( 381 ه ) « 2 » ، أو بين ابن الجنيد الإسكافي وابن أبي عقيل العماني ومخالفيهما ، فذلك الجدل يدلّل على أن الأخبارية القديمة وإن ظهرت في بدايتها بوصفها حالة ومرحلة ، إلّا أنّ التحوّل من مرحلة إلى أخرى استمرّ قرنا من الزمان

--> ( 1 ) - يراجع حول مسألة الهندسة المعرفية ، أحد قراملكي ، الهندسة المعرفية للكلام الجديد : 109 - 159 . ( 2 ) - كتب المفيد : « تصحيح اعتقادات الإمامية » بعد وفاة الصدوق ، حيث يترحّم عليه ويترضّى عدة مرات في كتابه ، بل ينص ص 28 على تاريخ وفاته ، لهذا لم تكن المواجهة مباشرة مما قد يجعل هذه القرينة بمجرّدها ضعيفة ، لاحتمال أنّ النقد جاء في المرحلة اللاحقة ، مما يؤكد فكرة المراحل التي طرحها الصدر ، غير أنّ شدّة تعابير الكتاب - كما مرّ سابقا - توحي بوجود جدل حيّ ؛ ولاحظ شدّة تعابير جماعة العقل والكلام في حقّ أهل الأخبار في النصوص التي نقلها الكاظمي في « كشف القناع » : 203 - 206 ؛ وانظر الطوسي في العدّة 1 : 131 ، 135 .