حيدر حب الله
176
نظرية السنة في الفكر الإمامي الشيعي
لكن هذا النص لا يدلّ على رفض خبر الواحد مطلقا ، بل يرشدنا إلى تمييز العلامة بين مجالي الشرعيات والعقديات ، ففي الشرعيات خبر الواحد مقبول ، أمّا في العقديات فهو مرفوض ، والسبب في رفض العلامة له في العقديات - مثله في ذلك مثل الكثير من علماء الإمامية كما سيأتي الحديث عنه في الفصل السابع من هذا الكتاب إن شاء اللّه تعالى - هو أنّ خبر الواحد إذا ألزمني العلم والاعتقاد بشيء ، ثم بحثت في المصادر والأدلّة فلم أجد دليلا يحقّق لي حالة العلم في نفسي ، وجب طرح خبر الواحد ، لا لأنّه خبر واحد ، بل لأنه طالبني بأن أكون عالما بشيء ولم أجد دليلا يحصّل عندي هذا العلم ، وخبر الواحد بنفسه لا يفيد العلم ، إذا كيف امتثل أوامر خبر الواحد بالعلم وهو لم يحصل عندي ؟ ! إن تكوين العلم في داخل النفس مع عدم وجود دليل أو عنصر مكوّن لهذا العلم هو تكليف بما لا يطاق . وهذا الكلام ليس رفضا مطلقا لأخبار الآحاد ، بل في خصوص المسائل العلمية من العقديات ، كما أنّه ليس تردّدا بل تمييز ، وهو تمييز معروف بين الشرعيات والعقديات . على أية حال ، رغم وحدة المسار والمنهج بين درس العلامة لخبر الواحد ودرس الذريعة والعدة ، اختلف العلامة في بعض نتائجه واستدلالاته عمّن سبقه ، مع احتفاظه بنظرية خبر الواحد كما أشرنا ، فمع عدم أخذ الجيل الأصولي السابق بمثل آية النبأ دليلا على حجية الخبر كما لاحظنا من المرتضى والطوسي ، أعاد العلامة تكوين نظرية السنة المحكية على أساس أدلّة نقلية ، فلم يقف كثيرا عند الإجماع الذي كان العماد الأساسي الذي شاد عليه الطوسي نظريته ، بل تعدّاه إلى الاستناد إلى بعض النصوص من آيات وغيرها ؛ لكي يؤكّد أنّ السمع قد ورد بالاعتماد على الأخبار غير القطعيّة بالتواتر ، رادّا بذلك على مقولة السيّد المرتضى بعدم ورود السمع بذلك . هذه الإضافة ، أي تمسّك العلامة بالنص القرآني في آيتي النبأ والنفر « 1 » ، جعلته يدخل نظرية الخبر الشيعيّة في إطار مقولات خبر الثقة وخبر العدل وما شابه ، لأنّ آية النبأ قد اشتملت على النهي عن الأخذ بخبر الفاسق ، فيكون الاستدلال بها على أخبار الآحاد قائما على ما يسمّى في علم أصول الفقه بمفهوم الشرط ، أي إن لم يأتكم الفاسق بالخبر فلا يجب عليكم التبيّن ويمكنكم الأخذ به ، ولما كان الطرف المقابل للفاسق هو الرجل العادل ، ظهرت فكرة العدالة في حجيّة أخبار الآحاد بوضوح أكبر . وقد لاحظنا فيما مضى أنّ الشيخ الطوسي كاد يدخل في هذا السياق بمعنى أن يجعله المعيار الأوّل ويقعّد على أساسه ويبني وفقه الاستثناءات لولا أنّه اعتمد على الإجماع دليلا أساسيا للأخذ
--> ( 1 ) - الحجرات : 6 ؛ والتوبة : 122 .