حيدر حب الله

177

نظرية السنة في الفكر الإمامي الشيعي

بأخبار الآحاد رافضا دلالة الآيات وفق ما تقدّم ، ولمّا كان عمل الشيعة متحرّكا غير مقتصر على مقولات العدل والوثاقة والضبط ؛ لوجود نظام القرائن أو لمبدأ الإجماع الشيعي على العمل ببعض الروايات كما جاء في العدّة ، وفق ما تقدّم ، شعر الطوسي أنّه مضطرّ للأخذ بروايات السنّة أو الشيعة غير الإمامية أحيانا ، انطلاقا من عمل الطائفة مهما كان العنصر الذي اعتمدت الطائفة عليه في أخذها بأصول ومصنّفات غير إماميّة ، لكنّ الحال لم يكن كذلك مع العلامة ، إذ كانت آية النبأ التي اعتبرها دليلا على حجية خبر الواحد تشي بمعيار الفسق والعدالة . ورغم بعض المناقشات التي سجّلها العلامة على مثل آية النبأ في « نهاية الوصول » « 1 » ، إلّا أنّه أخذ بها في « تهذيب الوصول » « 2 » الذي تشهد سطوره الأخيرة على أنّه ألّفه بعد « النهاية » « 3 » ، كما أخذ بها في « مبادئ الوصول » أيضا « 4 » ، وهذا يعني أنّ رأي العلامة قد استقرّ على مرجعية جديدة في حجية الخبر ، إضافة إلى مرجعيّة الإجماع . ويجب أن نؤكّد هنا على أنّنا حينما نتحدّث عن حدوث تحوّل مع العلامة الحلّي ، يفترض أن لا يفهم كلامنا بوصفه إيذانا بانقلاب المواقف الشيعية من خبر الواحد رأسا على عقب ، فليس هذا هو المراد ، وإنما تحوّل داخل مدرسة خبر الواحد في إعادة رسم خارطة الأولويات في المعايير التي تقوم على أساسها عملية الأخذ بأخبار الآحاد ، فلا مقولة العدالة كانت محذوفة بالمرّة من وعي أبي جعفر الطوسي بل وجدناها في العدّة كما مرّ ، ولا مقولة القرائن - ومنها عمل الأصحاب - كانت مفقودة في وعي مدرسة العلامة - كما سنرى بالتفصيل - وإنما التحوّل الجذري الذي حصل هو تمركز المعيار الأوّلي في هذا الطرف أو ذاك ، وهذه نقطة يجب أن نشير إليها دفعا للالتباسات في هذا الموضوع . وعلى أية حال ، ولمّا تأسّست نظرية السنة المحكية عند العلامة على هذا الأساس ، انفتح عنده الباب على مصراعيه ، للحديث حول شروط الراوي ، فأخذ فيه شروطا عدّة كالبلوغ والعقل والإسلام والعدالة والضبط « 5 » و . . . ، وهكذا تركّزت شرعية الأخبار أكثر فأكثر على صفات الراوي ، وتضاعفت أهميّة النظر في الأسانيد وأحوال رجالها ، سيّما وأن العلامة قد نصّ على عدم قبول رواية المجهول حاله ، مذكّرا بمخالفته في ذلك أبا حنيفة

--> ( 1 ) - العلامة الحلي ، نهاية الوصول إلى علم الأصول : 294 . ( 2 ) - العلامة الحلي ، تهذيب الوصول إلى علم الأصول : 229 . ( 3 ) - المصدر نفسه : 299 . ( 4 ) - العلامة الحلي ، مبادئ الوصول إلى علم الأصول : 204 . ( 5 ) - راجع : العلامة الحلي ، مبادئ الوصول : 206 - 207 ؛ وتهذيب الوصول : 230 - 233 ؛ ونهاية الوصول : 299 - 300 .