حيدر حب الله

168

نظرية السنة في الفكر الإمامي الشيعي

مقولة وجود خبر الواحد في مصادر الحديث عند الشيعة أخذت بالازدياد مع ابن إدريس ، لسبب أو لآخر ، ولهذا وجدناه يؤمن بكبرى اليقين لكنه لا يعتقد أن مبدأ اليقين هذا متواجد في روايات المصادر الشيعية على الدوام ، على الخلاف مما كان يقوله المرتضى من قبل - كما لاحظنا - حينما اعتقد بأنّ أكثر الروايات الشيعية متواترة أو ما شابه ، من هنا أخذت العديد من الروايات تتساقط ، لأنّ ما كان من قرائن سابقة ، لم يعد ينفع ابن إدريس ما دامت الموضوعات جديدة والفرضيات متوالدة ، وما دام هو مفرطا بعض الشيء - على ما يقال « 1 » - في تشدّده في أمر الخبر الآحاديّ كما يعبّر عنه تراث أهل السنّة . إلى جانب ذلك ، تشدّد ابن إدريس في أمر الرواة أكثر من ذي قبل ، فبعد أن كان خبر غير الإمامي ممكن القبول كما لاحظناه في نصّ العدّة للطوسي ، غدت أخبار أهل السنّة ، والفطحية ، والواقفية مرفوضة عند ابن إدريس وبشدّة وهي - عنده - أضعف أخبار الآحاد دون نظر لوثاقة الرجال و . . وكذا الخبر المجهول راويه « 2 » ، لقد فتح ذلك الباب على مصراعيه لمزيد من التركيز على أمر الأسانيد ورجال الرواية ، وليس فقط أخذها مجرّد عنصر من العناصر ، فعدد الروايات التي فيها رجال من هذه الفرق ليس واحدا أو اثنين وإنّما هو رقم هائل جدا ، إذا أردنا حساب تداعيات نظرية ابن إدريس فيه فستكون غير عادية . من هنا ذكر جماعة من الباحثين في تاريخ الفقه والفقهاء أنّ خطوات ابن إدريس شكّلت منعطفا سرعان ما وجدنا تبلوره النظري في مدرسة متكاملة عند العلامة الحلّي ، كانت تشدّدات ابن إدريس في أمر الأسانيد - رغم عدم قوله بحجيّة خبر الواحد - مفتاحا لمزيد من الاهتمام برجال السند ، وهو أمر إذا تقارن مع ضعف حضور القرائن القطعية إمّا ضعفا وجوديا أو ضعفا معرفيا ، سوف يفضي - عندما ندرك أنّ العلامة الحلّي الرائد الجديد في القرن الثامن لإحياء نظرية خبر الواحد الطوسية - إلى مزيد من التركيز على الأسانيد ، كما سنلاحظ ذلك لاحقا بالتفصيل ، وهذا معناه أن نظرية السنّة في هذا العصر أخذت منحى جديدا فتراجعت آليات نقد المتن لصالح نقد السند ، وهذا تحوّل جذري للغاية ، والملفت أنّ هذا التراجع لم تكن ردّة الفعل عليه إحياء لنقد المتن كما كان الحال مع الشيخ المفيد وفق ما يظهر من السجال الذي دار تاريخيا بينه وبين الصدوق « 3 » ، بل كان

--> ( 1 ) - بل قيل : إنّه مفرط ، في ردّ أخبار أهل البيت عليهم السّلام عامّة ، وهي مقولة جاءت في بعض نسخ كتاب الرجال لابن داود الحلّي : 498 ، بعد أن وضعه في قسم المذمومين ، قائلا : « محمد بن إدريس العجلي الحلّي ، كان شيخ الفقهاء بالحلّة ، متقنا في العلوم ، كثير التصانيف ، لكنّه أعرض عن أخبار أهل البيت [ بالكليّة ] » ، ونحن لا نوافق على هذه المقولة ، لكنها على أيّ حال دالّة . ( 2 ) - ابن إدريس الحلّي ، السرائر 1 : 267 ، 313 ، 495 ، و 2 : 95 ، 304 ، 355 ، 675 - 676 ، و 3 : 253 ، 273 . ( 3 ) - راجع كتابي الاعتقادات للصدوق ؛ وتصحيح اعتقادات الإماميّة للشيخ المفيد ، في المجلّد الخامس من سلسلة مؤلفات الشيخ المفيد ؛ وراجع : محمد حسين فضل اللّه ، مجلّة الفكر الجديد اللندنيّة ، العدد التاسع ، عام 1994 م ، مقال تحت عنوان : « مع الشيخ المفيد في تصحيح الاعتقاد » .