حيدر حب الله

160

نظرية السنة في الفكر الإمامي الشيعي

اضطرّه لتوظيف كمّ أكبر من الأخبار مما عزّز تكوين نظرية الحجيّة التعبّدية للأخبار والروايات الظنيّة . وهكذا مرّ الطوسي بمراحل من عقلية أصولية محتفّة بالأخبار ، إلى أخبارية أصولية محتفّة بالمنزع العقلي ، لكنّ الطوسي لم يتحوّل على الإطلاق إلى أخباري ، فهذه المقولة يبدو لنا أنها تجانب الصواب في قراءة شخصيته ، وإنما الذي حصل هو أنه شكّل الخطّ المعتدل الوسطى بين تيار الرفض الذي تزعّمه المرتضى ، وتيار المحدّثين الذي كان يأخذ أحيانا بخبر الواحد بطريقة واسعة نسبيا ، إما لسرعة حصول اليقين عنده من الروايات ، أو لقوله بحجية الآحاد الظنية « 1 » . وفي ضوء ما تقدم يظهر : أولا : إن الطوسي هو المنظّر الأول لنظرية حجية الخبر الواحد في الفكر الشيعي الإمامي ، وأنه لم يسبقه أحد على هذا الصعيد ، أي على مستوى التنظير وفلسفة الموضوع أصوليا ، وهو ما تؤكّده ندرة أو انعدام مصنّفات الدفاع عن حجية الخبر قبله عدا النوبختي كما أسلفناه ، على احتمال فيه أيضا تقدّم . ثانيا : إن نظرية الطوسي مرّت بمراحل في حياته ، انتهت به إلى القول بحجية الخبر ، كما لاحظنا مع التهذيب - الاستبصار - العدّة . ثالثا : إن الطوسي نفسه شكّل بداية التكوين ، ولذلك واجهت نظريته بعض الغموض من حيث عدم وجود تحديد قاطع وصريح لها ، كما ظهر في العدّة ، وليس هذا عيبا على الإطلاق ، وإنما طبيعة الأشياء هي ما اقتضت ذلك ، من حيث كون النظرية ما تزال في بدايتها . رابعا : لم ينجرف الطوسي في تيار الأخبارية القديم ، بل وقف على الحدّ الوسط بين رفض الأخبار وقبولها « 2 » ، وهذا ما يمكنه أن يفسّر لنا - إلى جانب شخصيته المؤثرة - تغلب تياره فيما بعد على تيار السيد المرتضى ، كما أن ظروف البعد عن عصر النص وما قيل عن انسداد باب العلم ساهم أيضا في تعزيز نظرية الطوسي وضرورة تبنّيها في القرن السابع وما بعد ، سيما مع صاحب المعالم ( 1011 ه ) ومن قبله العلامة الحلّي ( 726 ه ) .

--> ( 1 ) - يحاول الأسترآبادي تبرئة الأخباريين القدماء مما نسبه إليهم العلامة الحلّي من أنّهم يعملون بالأخبار الآحادية حتّى في أصول الدين ، ويرى أنهم لا يعملون إلا على اليقين ، انظر : الفوائد المدنية ، طبعة جديدة : 136 . ( 2 ) - يذهب الدكتور مدرّسي طباطبائي إلى أنّ الطوسي كان كيانا مزيجا من مدرستي الحديث والكلام ، وذلك في كتابه « زمين در فقه إسلامي » 1 : 59 .