حيدر حب الله
159
نظرية السنة في الفكر الإمامي الشيعي
الدين ودائرة العمليات ، فكيف تجعل المواجهة الكلامية - الحديثية شاهدا على أنّ مدرسة الحديث لم تكن تتبنّى أخبار الآحاد ، وإلا لأعلن هذا الموضوع ورقة على بساط البحث تتجاذبه الآراء والاختلافات ؟ ! وهذه المشكلة حقيقيّة ، إلا أنّ ما حدانا لذلك هو ما أشرنا له أوّلا من وحدة المنهج الحديثي بين مجالي الفقه والكلام في مدرسة المحدّثين الإمامية ، ذلك أنّ احتمال اليقين بصدور مثل نصوص « أصول الكافي » و « التوحيد » و . . . برمّتها مع عدم وجود مثل هذا اليقين في نصوص « كتاب من لا يحضره الفقيه » أو « فروع الكافي » مع أنّ هذا النص أو ذاك هو خبر واحد أو شاذ مما يعني - على الأقلّ - أنّه لم يكن يبلغ حجم التواتر والتظافر الكبير . إذن ، فوحدة المنهج وآليات استحضار النصوص وحجمها ، وطريقة التعاطي معها تعطي إيذانا بأنّه لم يظهر فرق بين مجالي الأصول والفروع عند أنصار الحديث . وبهذا لا يكون الخلاف الواقع بين مدرسة الكلام ومدرسة الحديث خلافا حول أخبار الآحاد حتى يجعل شاهدا على مخالفة المرتضى والمفيد لسائر التيارات الشيعية ، وذلك نفسه كاف لنا . وبهذا يتبين أن النظرية التي كانت سائدة في الحياة الشيعية حتى القرن السابع الهجري هي نظرية اليقين ، مع الإقرار بوجود أشخاص - كالطوسي وابن طاوس - أو ربما فئات محدودة تعمل بالظنون وتعتمد عليها ، فهذه النتيجة هي التي نراها أوفر حظا ، لا أقلّ من أن أيّ نتيجة أخرى لا تمتلك فرص التوفيق على ما يبدو . 2 - الطوسي وظروف تكوين نظريّة خبر الواحد النتيجة الثانية : إن الشيخ الطوسي مارس عملية توسعة للفقه بشكل ملحوظ جدا ، وتمكّن بجدارة من تقمّص شخصية أستاذه المرتضى من زاوية كونها شخصية عقلية في بداية حياته ، وقد كان متأثرا به ، ثم أخذت النظرية تتحوّل مع الطوسي نحو الأخذ بأخبار الآحاد ، تحوّلا اجتهاديا ، وقد كان المناخ الحديثي الذي أحاط الطوسي ذا أثر كبير في تكوين نظرية حجية الخبر ، فقد خاض الطوسي مجال الحديث في « تهذيب الأحكام » و « الاستبصار » ، كما خاض في الرجال في « اختيار معرفة الرجال » ، و « الرجال » ، و « الفهرست » ، كما أدخل الفقه في تفريعات جزئية هائلة أراد - على ضوء اتجاهه الحديثي - الإجابة عنها ؛ ردّا على مقالة أهل السنّة كما ذكره في مقدّمة المبسوط « 1 » ، الأمر الذي
--> ( 1 ) - الشيخ أبو جعفر الطوسي ، المبسوط ، المقدّمة : 12 - 13 .