حيدر حب الله
154
نظرية السنة في الفكر الإمامي الشيعي
الفوائد المدنية « 1 » ، وتقدّم عن صاحب المعالم . ونتيجة هذا الكلام أنّ مجموع الشواهد التي دعمت إجماع الطوسي أو ضعّفت إجماع المرتضى ، وما اطلعنا عليه من سيرة أهل الحديث آنذاك . . كلّه يؤكّد أن السيد المرتضى لم يطابق قوله الواقع إذا أريد من الإجماع الاتفاق ، ومن ثم تتعزّز الاحتمالات التي أثرناها في مناقشة محاولة الجمع التي أبرزها الشهيد الصدر ، ووضوح وقاطعية عبارة الشريف المرتضى يمكن تفسيره تغلّبا لتيار العقل والكلام على تيار الحديث في تلك الحقبة ، مما جعله لا يأبه كثيرا بحجم المخالف ، كما تشير إليه كلماته أيضا في جوابات المسائل الطرابلسيات على ما نقله المحقق الكاظمي ( 1237 ه ) « 2 » ، وفي الوقت نفسه نخرج بنتيجة أخرى وهي عدم مطابقة إجماع الطوسي الواقع إذا أريد منه الكشف عن اتفاق تام ، لأن المضعّفات السالفة كانت - للانصاف ولو بعضها - قوية ، مما يشير إلى حدسية إجماعه ، وجمعا بين النتيجتين ، قلنا : بوجود تيارين كانت الغلبة فيهما لمدرسة العقل والكلام . واحتمالنا السابق وجود تحوّل في الموقف الشيعي بعد عصر الغيبة ، نجده قائما عندما نتبنّى - إذا صحّت هذه المقولة - أن الإمامية كانت تيارا أقرب إلى النصية منها إلى العقلية في القرنين الأول والثاني ، مما يعزّز أن بداية السيطرة لتيار العقل ومدرسة الكلام كانت مع القرن الثالث ، وبلغت أوجها مع المفيد والمرتضى ، رغم جهود ضخمة لمدرسة الحديث بلغت ذروتها مع الشيخ الصدوق ( 381 ه ) في مصنفاته ، سيما كتاب من لا يحضره الفقيه . الصورة الثانية : أن يصوّر المشهد كلّه لصالح نظرية اليقين وإنكار الخبر الواحد ، لا فرق في ذلك بين مدرسة الحديث ومدرسة الكلام ، غاية الأمر أنّ مدرسة الحديث كانت أكثر ثقة بالأخبار من زاوية النقد العقلي ، حتّى لو كانت متشدّدة في معايير النقل الحديثية كالسند والطريق والنسخ ومن يروى عنه و . . . كما يقال عن مدرسة قم في بعض فتراتها ، مع الاعتقاد بوجود تيار ضعيف في الوسط الشيعي عموما يذهب لكفاية الظنون . ونميل نحن إلى هذه الصورة أكثر وإن لم نجزم بها تماما ، انطلاقا من مجموع ما أسلفناه عن مدرسة الحديث ومدرسة المرتضى معا ، لكن يبقى أمر وهو : إذا لما ذا تصارعت هاتان المدرستان في القرنين الرابع والخامس الهجريين ؟ ! ولما ذا وجدنا تحفّظا لمدرسة الكلام إزاء الأخذ بالنصوص الحديثية فيما وجدنا ثقة كبيرة لمدرسة الحديث بها ؟ ! وما
--> ( 1 ) - الأسترآبادي ، الفوائد المدنية ، حجري : 62 . ( 2 ) - الكاظمي ، كشف القناع : 204 - 205 .