حيدر حب الله

155

نظرية السنة في الفكر الإمامي الشيعي

هو تفسير هذه الظاهرة ؟ ! ولكي نجيب عن هذا التساؤل ، لا بدّ أولا من الإقرار بأنّ قلّة اعتماد مدرسة الكلام على النصوص كان أمرا واضحا إذا أخذنا المقياس النسبي إلى ممارسات مدرسة الحديث ، ولسنا نريد أن نحلّل مقولة آدم متز ( 1917 م ) بذهابه إلى أنّ قلّة اعتداد المعتزلة بالأخبار لاءم أغراض الشيعة « 1 » ، ولهذا وغيره اعتبر التشيّع وارث الاعتزال في الحياة الإسلامية « 2 » ، بل ذهب الذهبي إلى ترافقهما بعد عام 370 ه « 3 » ، إلا أننا نعتقد بأن نزعة النقد المضموني للنصوص وتنامي حركة النقد التي تنبني عادة على ضعف درجات الوثوق - على خلاف نزعة التسليم الديني - يؤدّي بدوره إلى قلّة الاعتماد والركون ، وهذا أمر طبيعي تشهد له التجربة أيضا ، ونعتقد أنّه هو ما أسهم في ضعف الحضور الحديثي عند المفيد والمرتضى وابن إدريس قياسا بمثل الصدوق والكليني و . . . لا الخلاف حول الأخذ بأخبار الآحاد وعدمه . ولكي تنجلي الصورة هنا أكثر يجب أن نحلّل امتياز المدرستين عن بعضهما البعض ، وإذا أردنا أن نحلّل طبيعة الامتياز الذي كان موجودا بين مدرسة الحديث الشيعية التي يقف على رأسها الشيخ الصدوق ( 381 ه ) ومدرسة الكلام التي يتزعّمها المفيد ( 413 ه ) والمرتضى ( 436 ه ) بما يتّصل بدراستنا هنا ، لا بشكل عام ومفصّل من الجهات جميعها ، فإنّ علينا أن ندرس - بالخصوص - موقف الشيخ المفيد من تجربة أصحاب الحديث ، وهو موقف أكثر ما تبدّى في كتابه « تصحيح اعتقادات الإماميّة » الذي كان تعليقة على كتاب « الاعتقادات » للصدوق ، وعبر تحليل هذه الظاهرة ربما يمكننا الوصول إلى بعض المعطيات التي تعنينا هنا . يقوم علم الكلام الشيعي عند أبي جعفر الصدوق على النصوص الحديثية بشكل خاص ، فقد حذا في كتابه « التوحيد » حذو سلفه المحدّث ابن يعقوب الكليني ( 329 ه ) في « أصول الكافي » ، حيث اقتصر على سرد النصوص الروائيّة في أشدّ الموضوعات الكلامية تعقيدا وجدلا ، كان الصدوق الثاني كوالده وكالكليني والبرقي والصفار والحميري و . . . وسائر رجالات المنحى الحديثي النصّي في المذهب الشيعي يتّخذون منهجا واحدا في التعامل مع علمي الفقه والكلام ، وكأن علم الكلام لم يأخذ عندهم كينونته المستقلّة عن مناهجيات الدرس الفقهي القائم على النصّ ، رغم أنّ المعتزلة كانوا قد وضعوا المدماك

--> ( 1 ) - آدم متز ، الحضارة الإسلامية في القرن الرابع الهجري 1 : 124 . ( 2 ) - المصدر نفسه . ( 3 ) - الذهبي ، ميزان الاعتدال 3 : 149 ؛ ويعتقد آدم متز بأنّ التقارب الشيعي - المعتزلي حصل في القرن الرابع الهجري ، انظر له : الحضارة الإسلامية في القرن الرابع الهجري 1 : 371 - 372 .