حيدر حب الله

136

نظرية السنة في الفكر الإمامي الشيعي

وقد قلنا : إنّ احتمال كون المحقق الحلّي مؤمنا مطلقا بمدرسة الطوسي احتمال ترفضه نصوص المحقّق نفسه ، وهذا معناه أنّ الاستناد إلى المحقق لتأييد نظرية الطوسي يحتوي على إشكالية ، سيما إذا عرفنا أنّه ممن نسب رفض أخبار الآحاد إلى أكثر الإمامية كما مرّ سابقا بالتفصيل ، فلما ذا يؤخذ بنصّ له وقع جدل فيه ، ويترك نصّ آخر واضح صريح في « المعتبر » على رفض الإمامية أخبار الآحاد ؟ ! فهذا المعزّز غير وجيه كما يظهر ، ويبدو أكثر بمراجعة ما أسلفناه عند سرد نظريّة المحقق الحلّي . المعزّز الخامس : ما ينقله الشيخ الأنصاري أيضا عن ابن إدريس الحلّي ( 589 ه ) في « خلاصة الاستدلال » من أن القمّيين وابني بابويه و . . . « عاملون بالأخبار المتضمنة للمضايقة ، لأنهم ذكروا أنه لا يحلّ رد الخبر الموثوق برواته » « 1 » . ويستغلّ الشيخ الأنصاري هذه الثغرة ليجدّد نقده على ابن إدريس بإقراره هذا بعمل الطائفة بخبر الثقة ، مستدركا بإلا أن يريد المعلوم الصدور ، وفيه ما فيه ، أو يريد بالخبر العلمي ما أفاد الوثوق والاطمئنان « 2 » . لكن هذا الوجه يصلح ملاحظة على مدّعي إجماع المرتضى لا قرينة داعمة لإجماع الطوسي على نحو مباشر ، كما أنّ الأخذ بنص لابن إدريس وهو ممن يصرّح بعدم عمل الشيعة بالخبر الواحد تبعا للمرتضى ، هو أخذ بنصّ من نصين ، ولو جازت هذه الطريقة لجاز لنا إبداء تعارض - كما تقدّم وسيأتي - في كلام الطوسي ، وإذا كان حلّ التعارض هناك بأن الطوسي مرّ بمراحل على هذا الصعيد ، فإن رسالة خلاصة الاستدلال لا نعلم - حيث لم تصلنا - متى كتبها ابن إدريس ، فلعلّه تابع الطوسي في بداية حياته الأمر الذي عدل عنه فيما بعد في سرائره ، سيّما وأنّه يأتي على ذكر هذا الكتاب في « السرائر » بصراحة « 3 » ، مما يعني أنّه كان قد ألّفه قبل السرائر . وإذا لاحظنا بدقّة نصّ ابن إدريس وجدناه ينسب العمل بالخبر الموثوق رواته إلى جماعة لو تأمّلنا في مشربهم لوجدناهم من تيار الحديث كالقمّيين وابني بابويه ، وهو إمّا تيار نعلم من الخارج أنه يعمل بأخبار الآحاد ربما حتى في أصول الدين - أحيانا - على رأي ، أو نعلم أنّه كان يحصل لهم اليقين من أخبار الثقات ، سيما مدرسة قم التي عرف عنها أنّها ما كانت تقبل الخبر إلا بعد تصفيته مرارا وتكرارا ، فحصول اليقين لهم من الخبر الموثوق برواته غير بعيد بعد ذلك ، فأراد ابن إدريس أن يجعل هذا مستمسكا له ،

--> ( 1 ) - مرتضى الأنصاري ، فرائد الأصول 1 : 159 . ( 2 ) - المصدر نفسه . ( 3 ) - ابن إدريس الحلي ، السرائر 1 : 273 .