حيدر حب الله
101
نظرية السنة في الفكر الإمامي الشيعي
آخر كلامه ، يدل على أنه يريد العلم بالوظيفة الشرعية الأعم من الواقعية والظاهرية ، وإلا فمن الواضح أن أصالة البراءة - وفق أساسيات أصول الفقه الشيعي - ليست طريقا ظنيا للواقع فضلا عن أن تكون طريقا علميا . إلا أن العقبة التي تمنعنا عن تتميم ملاحظتنا هذه ، ما أشار له السيد محمد باقر الصدر ( 1400 ه ) في دراساته الأصولية ، من أن الأصول العملية كانت مدرجة سابقا في دليل العقل ، ولذلك سمّوا البراءة باستصحاب حال العقل ، واستدلوا على البراءة بدليل عقلي هو عدم الدليل دليل على العدم . . . مما يرشد إلى عدم انفصال الأصل العملي في العقل الأصولي القديم عن الأمارات ، وأن هذا الانفصال ظهر مؤخرا سيما مع الوحيد البهبهاني ، ليبلغ قمّته مع الشيخ الأنصاري « 1 » . فإذا صحّت هذه الفكرة فلا يبعد أن يستفاد من كلام المبسوط - وإن لا بدرجة الصراحة إنصافا - أنه لا يؤمن بطريق غير علمي ، وإلا فاستفادة ذلك من عبارته أمر مشكل . 5 - وعلى نسق « المبسوط » ، تأتي مقدّمة « الخلاف » ، حيث يذكر الشيخ الطوسي قائلا : « سألتم أيّدكم اللّه . . وأن أقرن كلّ مسألة بدليل نحتجّ به على من خالفنا ، موجب للعلم من ظاهر قرآن ، أو سنة مقطوع بها ، أو إجماع ، أو دليل خطاب ، أو استصحاب حال . . أو دلالة أصل أو فحوى خطاب . . . . » « 2 » . فقد استفاد بعض المعاصرين دلالة النص المذكور على التزام الطوسي بالطريق العلمي دون الظنون ، مما يدل على عدم عمله بخبر الواحد « 3 » . إلا أن الإنصاف أن العبارة - ضمن سياقها - لا تدلّ على ذلك ، لأن كتاب الخلاف ، كتاب في الفقه المقارن ، ومن الواضح أن الاستدلال في هكذا حال بأدلة علمية ، أي بأقوى ما لدينا من أدلة ، هو السبيل المنطقي ، سيما وأن الطوسي يصرّح بأن هناك من سأله أن يفعل ذلك فأجاب ، مما لا يعني أنه لا يرى أدلّة أخرى ، ولهذا أعقب كلامه السالفة الإشارة إليه بقوله عن رواياتنا : « وقد ذكرنا طرفا كثيرا من ذلك في كتابنا المعروف بتهذيب الأحكام ، وكتاب الاستبصار ، وإن كان هذان الكتابان مقصورين على ما نختصّ بروايته » « 4 » ، مما يعني أنه كان يريد الاقتصار على غير روايات الإمامية حتى تكون أبلغ في الحجة وأقوى في البرهان .
--> ( 1 ) - محمد باقر الصدر ، بحوث في علم الأصول 5 : 10 - 11 . ( 2 ) - الشيخ الطوسي ، الخلاف 1 : 45 . ( 3 ) - الغروي الأصفهاني ، پيرامون ظن فقيه : 406 . ( 4 ) - الطوسي ، الخلاف 1 : 46 .