حيدر حب الله
34
منطق النقد السندي (بحوث في قواعد الرجال والجرح والتعديل)
أ - فأمّا لو أخذنا هذين التعبيرين لوحدهما ، فمبرّر المذهبيّة والتعديل فيهما غير واضح أبداً ، إذ معنى أنّه وجهٌ أو عين هو كونه بارزاً له مكانة ، تماماً كقولنا اليوم عن شخص بأنّه من الشخصيات البارزة أو رجلٌ معروف أو رجلٌ له مكانة ، وهذا لوحده لا يدلّ على انتمائه ولا يدلّ على العدالة ، نعم قد يدلّ على عدم معروفيّته بالفسق والتهتّك ، فقد تكون جهة توصيفه في كونه مؤلّفاً بارزاً وعالماً أو ربما له مكانة سياسيّة ، وهذا لا يكشف عن مذهبه ، بل ولا عن عدالته . وأمّا دلالة هذا التعبير على التوثيق ، فغير واضحةٍ أيضاً ؛ لأنّ كون شخص عيناً أو وجهاً يعني أنّه شخصيّة بارزة ، لها مكانتها ، وكتب الرجال لم تختصّ ببيان حيثيّات النقل ، ولو اختصّت فغايته أنّه راوٍ مشهور ، نعم تعبير ( عين ) قد يوحي بأنّ المراد منه التوثيق باعتبار أنّه استعارة من الميزان ، فيكون دالًا على الصدق ، غير أنّه غير واضح فقد يكون استعارة من البروز والشهرة والشمس ، للكشف عن كونه مشهوراً ، تشبيهاً له بالعين الباكية في تميزها وبروزها « 1 » . ودعوى أنّ الطائفة ليس عندها في تلك الأيّام مبرّر للوجاهة والبروز غير العلم والرواية ، غير صحيح ؛ ففضلًا عن كونه خلاف منطق الأشياء ، قد كانت لبعضهم مكانة اجتماعيّة وكان يلقى السلطان ، بل إذا لم نثبت أنّ هذا التعبير يدلّ على الانتماء الخاصّ أمكن فرض المترجَم غير إماميّ ، وقد كانت لبعضهم مقامات اجتماعيّة كمنصب الوكالة ، بل قد يكون للإنسان مكانة اجتماعيّة لعلمه بالعربيّة وعلم الكلام وغير ذلك ، دون أن يكون راوية معروفاً بالرواية وكثرتها لكي ينظر إلى توثيقه . وقد قال النجاشي - ومثله الطوسي - في ترجمة إبراهيم بن سليمان بن أبي داحة المزني رغم تصريحه بأنّه لم يرَ أيّاً من كتبه : « كان وجه أصحابنا البصريّين في الفقه والكلام
--> ( 1 ) راجع حول مفردة ( عين ) في التحليل اللغوي : الكلباسي ، الرسائل الرجاليّة 3 : 129 - 134 ؛ وأبي الهدى الكلباسي ، سماء المقال 2 : 261 - 268 .