حيدر حب الله

170

منطق النقد السندي (بحوث في قواعد الرجال والجرح والتعديل)

ويُقصد بالتدليس أن يقوم الراوي بالتمويه ، بحيث ينقل لنا السند مثلًا موحياً أنّه سمع الخبر من فلان ، لكنّه في الحقيقة لم يسمعه منه ، وإنّما أخذه بالوجادة ، كما روي في حقّ محمّد بن سنان ، أو ربما يكون التدليس في الشيوخ ، بمعنى أن يوهم اسم الشيخ الذي سمع منه بحيث لا يريد أن يذكره بشكلٍ واضح ، وكثيراً ما يكون التدليس عبر العنعنة « 1 » . وعمليّة التدليس لابدّ من إثباتها ، فوجود مرّة أو مرّتين أو بضع مرات وقع فيها تدليس ، لا يُثبت أنّ الرجل مدلّس ؛ لاحتمال حصول سببٍ آخر في البين ، لكن كلّما ازداد هذا الأسلوب من الراوي ارتفع احتمال تدليسه وثبوت التهمة في حقّه . وقد وقع خلاف في حكم التدليس من الناحية الشرعيّة - ويفترض أن يكون مركز الكلام في غير تدليس الشيوخ بالمعنى الثاني - حيث تردّد الأمر بين نمطين من التفكير ، فمن جهة يمكن إدراج التدليس في الكذب ، ومن ثمّ يوجب التدليس سقوط عدالة الراوي ، ومن جهة ثانية من الصعب أن ندرجه في الكذب ، وهو إلى التورية أقرب ، والمفروض أنّ هذا جائز ، فلا دليل على سلب الوثاقة عنه بمجرّد تدليسه . والتوصيف بالتدليس تارةً ندرسه في نفسه ، وأخرى من حيث مُراد الرجاليّ من هذا التوصيف : أ - أمّا في نفسه ، فإنّ التدليس لو وقع بما يوهم الاتصال واللقيا ونحو ذلك ، نرجّح شرعاً أنّه موجب للوقوع في الحرام ، خاصّة في مثل نقل الحديث الشريف ؛ وذلك لبنائنا على الاستشكال في جواز التورية ؛ لأنّنا نرى أنّ العبرة ليست باحتمالات اللفظ في نفسه للدلالة ، بل فيما يفهمه العرف العام من هذا التعبير نوعاً ، فإذا كان نوع الناس يفهمون من هذا التعبير أنّه دالّ على اللقيا مثلًا أو ينصرف ذهنهم لذلك عادةً ، وكان المستخدم يعرف هذا ، فإنّ هذا الاستخدام المتعدّد ، مع الالتفات لهذه النقطة وقصد التدليس ، فيه إشكالٌ

--> ( 1 ) ربما يمكن - افتراضاً - تصوّر التدليس في المتن أيضاً بنقله بطريقة موهمة ، لكنّه غير مطروح عادةً بينهم .