حيدر حب الله

92

منطق النقد السندي (بحوث في قواعد الرجال والجرح والتعديل)

الذين يلونهم » « 1 » . ولا يهمّنا البحث في سند هذا الحديث ، حيث ادّعي تواتره « 2 » ، فإنّ دلالته تغني ؛ إذ ليس المراد منه أنّ كلّ واحد من المسلمين في القرن الذي عاش فيه النبي صلى الله عليه وآله - مهما فسّرنا معنى القرن ومدّته الزمنية - أفضل من جميع المسلمين إلى يوم القيامة ، وإنما يتحدّث عن الزمان الذي عاش فيه ، فعندما نقول نحن اليوم : إن هذا العصر هو عصر الإيمان ، أو هو عصر الفسق والضلال ، فلا يعني ذلك أنّ جميع أهل هذا العصر يتّصفون بهذه الصفات ، وإنّما يعني أنّ الحالة الطاغية على هذا العصر هي الحالة الإيمانيّة أو غيرها ، فهذه توصيفاتٌ للأزمنة والعصور ، وليست أوصافاً للأفراد حتى يُستدلّ بها على عدالة جميع الصحابة . إنّ هذا بالضبط مثل الروايات الدالّة على تدهور الحال في آخر الزمان ، فهل يستدلّ بها على عدم عدالة أهل آخر الزمان كلّهم ؟ ! أضف إلى ذلك ، أنّ كلمة ( القرن ) مردّدة ، فلو فهمناها بمعنى المائة عام أو أقلّ أو أكثر قليلًا ، وحسبناها من زمن وفاة النبيّ أو هجرة النبي أو بعثة النبي فهذا معناه أنّ القرن سينتهي في عصر التابعين وسيدخل التابعون أيضاً ، فكيف تمّ التمييز في التعديل بين الصحابة والتابعين ؟ ! فإن قبل الخروج التخصيصي فليُقبل في مورد الصحابة أيضاً . أضف إلى ذلك أيضاً ، أنّ إطلاق كلام النبيّ معناه شمول الحديث ما لا يمكن تعقّل شموله ، فإنّ الرواية جعلت العصر الرابع هو عصر الانحراف ، وهذا معناه أنّنا لو فهمنا القرن بمعنى خمسين سنة فقط ستكون نهاية المرحلة المفضّلة في القرن الثاني الهجري ، وستكون في القرن الثالث الهجري ، بل الرابع ، على تفاسير أخرى للقرن ، فهل يريد المستدلّ هنا أن يُثبت خيريّة أهل القرون الهجريّة الثلاثة الأولى وعدالتهم وحُسن حالهم جميعاً ؟ ! وكيف يمكن في ضوء هذا الحديث بهذا التفسير له ، تفسير عشرات النصوص

--> ( 1 ) مجمع الزوائد 10 : 20 . ( 2 ) تواتره مشهور بينهم ، فانظر - على سبيل المثال - : عتر ، منهج النقد في علوم الحديث : 121 .